تشدّد منظمة الصّحّة العالميّة على أنّ الرّضاعة الطبيعيّة الحصريّة ـ أي من دون إدخال أي نوع من أنواع الحليب المصنّع معها ـ لمدّة 6 أشهر كحد أدنى، هي الطّريقة الأمثل لضمان الغذاء الأسلم والأنفع للرّضيع. وتستمر هذه «الرحلة» إلى عمر السّنتين، وإن كانت سترفق بعد الأشهر الأولى بأغذية تكميلية على شكل الأطعمة الصلبة.

هذه الرحلة تكون «الرزقة» الأساس فيها حليب الأم الطبيعي لما له من خصائص ومميّزات تغفل عنها أو تجهلها الكثير من الأمهات. يحدث ذلك في ظلّ تأكيدات ودراسات طبية كثيرة على فوائد الحليب الطبيعي. من هنا، سنعرض بعض هذه الدراسات.

حين يمرض الطفل تتغيّر تركيبة حليب الأم

خلصت دراسة مختصة في إطار علم المناعة السّريرية والتّحليليّة عام 2013 إلى أنه عندما يكون الطفل مريضاً، ترتفع أعداد الكريات البيضاء في حليب الأم بنسبة قد تصل إلى 94%. في تلك الحالة بالذات، تقوم مستقبلات الغدّة الثّدييّة بتحليل لعاب الطفل وتقدير نسبة البكتيريا والفيروسات في جسمه. ففي حال أظهر التّحليل نسباً غريبة، تتغيّر تكوينة حليب الأم من خلال إنتاج الأجسام المضادة المخصصة. بمعنى آخر، يمتصّ ثدي الأم اللّعاب الذي يخرجه الطّفل وقت الرّضاعة و«يحلّله» من خلاله حاجيّات الرّضيع وحالته الصّحيّة، لتتغيّر تركيبة الحليب بحسب النّتائج. من هنا، تلاحظ الدراسة أن الأطفال الذين يتغذّون من حليب أمّهاتهم هم أقلّ عرضة للإصابة بالأمراض الفيروسيّة بشكل قاسٍ، كما أنّ جسدهم الصّغير يتعافى بشكل أسرع ويكتسب من بعدها مناعة أقوى مقارنة بأترابهم الذين يتغذّون من الحليب الصّناعي الخالي من المضادات الحيويّة ومقوّمات المناعة.

يتغيّر لون الحليب بفعل عوامل مختلفة

حين يصاب الرّضيع أو الأم المرضعة بمرض فيروسي وتزداد نسبة الكريات البيض والمضادّات الحيويّة في الحليب، يتحوّل الحليب تدريجيّاً إلى اللّون الأصفر. ولكن إذا كانت الأم والطّفل بصحّة جيّدة وتغيّر لون الحليب، فلا داعي للقلق.


قد ياخذ الحليب لوناً أخضر
إذا تناولت الأم كمية كبيرة من الخضروات الخضراء
هذا ما يقوله الأطباء، مستندين في ذلك إلى أنّ لون الحليب يتغيّر بناء على عوامل الأمومة مثل نسبة التّرطيب في جسد الأم أو الجفاف، والنّظام الغذائي الذي تتّبعه، ومعدّل الفيتامينات في جسمها، والأدوية التي تتناولها. وقد يأخذ الحليب لوناً أخضر إذا شربت الأم عصيراً أخضر أو تناولت كمية كبيرة من الخضروات الخضراء كالسبانخ أو الأعشاب البحرية، أو تناولت بعض أنواع المكمّلات الغذائيّة.
كما يمكن أن يتسبب كل من الحلويات، والصّودا البرتقالية، ومشروبات الفاكهة الحمراء أو البرتقالية والأطعمة ذات اللّون الأحمر في جعل حليب الأم يتحول إلى درجات مختلفة من اللون الوردي والأحمر والبرتقالي. ولكن، في أحيان أخرى، قد يتسرب الدّم من داخل ثدي الأم إلى مجاري الحليب، حيث يظهر الحليب باللون البني أو البرتقالي الدّاكن أو لون الصّدأ، ويسمّى ذلك «متلازمة الأنبوب الصّدِئ». ويحدث ذلك أيضاً في حال أصيبت الأم بتشقّق الحلمات. في هذه الحالة، لا شيء يستدعي الهلع أو التّوقّف عن الرّضاعة لأن القليل من الدم في حليب الثدي لن يضر بالطّفل، وفي معظم الحالات يختفي النّزيف بعد أيام قليلة، بحسب التجارب الطبية.

يختلف حليب الثّدي بحسب الوضع الاقتصادي للأم

في دراسة نُشرت في المجلة الأميركية للأنثروبولوجيا الفيزيائية، وجد الباحثون أن الأمّهات اللّواتي يتمتّعن بوضع اقتصادي جيّد ينتجن حليباً أكثر كثافة وغنى بعناصر الطّاقة للرّضع الذكور، حيث أنّ حليبهنّ احتوى على الدّهون بنسبة 2.8% للرّضع الذكور و1.7% للرّضع الإناث. فيما تنتج الأمّهات الفقيرات حليباً أغنى لرضيعاتهنّ الإناث، ذلك لأن حليبهنّ يحتوي أكثر على الدّهون بنسبة 2.3% للرّضع الذّكور، و2.6% للرّضع الإناث. ويعتمد ذلك على قدرة الأمّهات المادّية للوصول إلى غذاء متنوّع ومتكامل أكثر. فالأمّهات الفقيرات هن أقلّ قدرة على تناول اللحوم والأسماك من مثيلاتهنّ الثّريّات، ما ينعكس قطعاً في تركيبة الحليب التي يزودن بها أطفالهن.