بصحّة الـ2017

  • 0

تدرج العادة أن توضع السنة الغابرة عند أفولها على المشرحة، ليسارع الناس الى إلباسها توصيفات تروقهم وتروق أمزجتهم، أو القيام بسرد ما حَبِلت به متونها من أحداثٍ أو كوارث أو إنجازاتٍ أو إخفاقات. ودرجت العادة في لبنان، ومن فرط الإخفاقات المتكررة، أن "تُكسر خلفها الأواني والجرار" آخذين بجريرة "ربَّ يومٍ بكيت منه... فلما صرت بغيره بكيت عليه".


تغلب أحداث السنة السياسية على ما عداها وتطغى على المواضيع الصحية والعلمية، وكأنّ السياسة ستتغير يوماً ما. السياسة تحفر عميقاً في صحة الناس ومأكلهم وتعليمهم ونسيج عائلاتهم. يكاد العالم يفقد تركيزه على الصحة لا بل يُضعف أعمدتها من المناخ والاحتباس الحراري الى التلوث البيئي الى الفقر والتنمية وصحة النساء والأطفال والمهمشين. لقيت الـ ٢.١٧ بالسياسة ما أصاب أخواتها، لكنها بالصحة حملت مؤشرات واعدة وأخرى مقلقة.
أهدت الـ2017 الى الناس (بعض الناس الميسورين؟) اكتشافات طبية مذهلة لعلاج سرطان الثدي والمبيض والدم، العلاج بالإصلاح الجيني، زرع الأعضاء المصنّعة، علاجات القلب والبنكرياس، سيطرة أكبر على مشاكل الكوليسترول والباركينسون، وعلاج جديد للاكتئاب، واكتشاف جينة للتوحد. زفّ العالم الإيطالي للعالم بُشرى زراعة رأس.
كل ذلك يبقى أمراً هائلاً لكنه قد لا يفيد سوى القادرين على دفع نفقاته. لكن ماذا عن توجهات الصحة على مستوى سكان العالم.
عالمياً، انخفضت وفيات الأطفال والرضع من 11 مليوناً عام 1990 الى ما دون 6 ملايين عام 2017 وتدنت وفيات الأمهات الى النصف من حوالى 575 الف الى 276 ألفاً وبقي لبنان محافظاً على معدلات منخفضة في وفيات الأطفال والامهات بالرغم من وجود ما يقارب 42 ألف ولادة غير لبنانية في عام 2016.
ارتفعت معدلات الوصول الى خدمات تنظيم الأسرة واستعمالها من قبل النساء مما زاد في قدرتهن على التحكم بقدرهنّ الإنجابي وساعد في تحقيق بعضٍ من العدالة الإنجابية بالرغم من استمرار الحاجة لتلك الخدمات خصوصاً في العالم الثالث وبين اللاجئات. أطلقت ميلندا غايتس من خلال مؤسسة غايتس مبادرة تفضي للوصول الى 300 مليون مستعملة لوسائل تنظيم ومنع الحمل، مبادرة لإنقاذ حيوات تلك النساء، خاصة أن نصفهن لا يستعملنها.
في التقرير الصادر حديثاً عن مؤسسة غايتس يشير الى ارتفاع معدلات التلقيح الذي وصل الى 75% من الأطفال بجرعاته الكاملة على أمل تلقيح جميع الأطفال في السنوات القليلة القادمة. انخفض عدد المدخنات والمدخنين نتيجة السياسات الجدية وها هي الجامعة الأميركية تعلن "حرم خالٍ من التدخين لعام 2018"، بينما تستمر الفضاءات الأخرى في مخالفة القانون والانصياع للوبي شركات الدخان.
الملفت في التقرير عدم انخفاض معدلات التقزم (مؤشر للتخلف وعدم النمو الجسدي والإدراكي) بالشكل المرغوب، 26% من 36% عام 1990)، نظراً لتشابك العوامل المسببة له.
شهدت الـ2017 تسجيل حوالى 1,8 مليون إصابة جديدة بڤيروس السيدا نزولاً عن 2,1 مليون إصابة لعامي 2015 ـ 2016، برغم تركّز الإصابات بين الشباب وفِي البلدان النامية. انخفضت وفيات الملاريا بحوالى 60%، بينما ترتفع الكوليرا في اليمن لمعدلات خطيرة وقاتلة نتيجة الحرب. كما ويتحدث التقرير عن التحديات لخفض تهديد الأمراض الاستوائية والتي تهدد مستقبل وحياة مليار ونصف إنسان في أفقر مناطق العالم.
تبقى التغطية الصحية الشاملة واحدة من أصعب مسائل السياسات الصحية في العالم. وسّع لبنان شبكة مراكز الرعاية الصحية الأولية، لكن المشكلة تبقى-كما في العديد من الدول- في الاستثمار الضئيل في الرعاية الأولية وتحدي الوصول بالتغطية الشاملة الى 400 مليون شخص "عراة دون تغطية صحية".
قد لا يدرك صانعو السياسات خطورة ضحالة الاستثمار في الصحة، وتحديداً في صحة الفقراء وعياداتهم ومستشفياتهم، وصحة سكان الأرياف والمهمشين. وقد لا يدركون- وبحسب التقرير- أنهم أمام ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها: أن تبقى السياسات والتمويل على حالها مع احتمال العجز عن استباق القضايا الصحية المستقبلية، خفض التمويل ومخاطرة عودة أمراض وآفات وضعف التنمية (يؤدي خفض 10% من علاج السيدا الى وفاة 5 ملايين شخص بحلول 2030 مثلاً)، تعزيز وزيادة ميزانية الصحة مما يُحسن المؤشرات ويقلل من أعباء الأمراض والوفيات.
لا مجال لاستقرار العالم دون التنمية. ولا تنمية دون العدالة الصحية.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية

0 تعليق

التعليقات