عمّان | انتهت حالة «حبس الأنفاس» التي بقي فيها الأردن طوال السنوات الأربع الماضية من إدارة دونالد ترامب. لم تُخفِ عمّان يوماً أن مرحلة ترامب، إن تَأكّد أنها ستنتهي على خير، كانت ثقيلة على نظام الحكم، بل تكاد تكون الأسوأ، مع أن سلفه باراك أوباما سحب المنطقة إلى حروب «الربيع العربي» التي عملت فيها المملكة كموظفة، تارة لتدريب المعارضة السورية، وتارة كقاعدة انطلاق لطائرات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، عدا عن أنها كانت ولا تزال محطّة لوجستية للجيش الأميركي. لكن تهديد وجود الدولة وزجّها في محاولة رسم الشرق الأوسط الجديد يبدوان أخفّ وطأة لدى البلاط والدولة العميقة من سياسة ترامب المكشوفة، خاصة مع حالة الاستعلاء التي مارسها المكتب البيضاوي على الملك عبد الله الثاني في أمور كثيرة، منها الوصاية الهاشمية على القدس، والتجاهل التامّ للدور الأردني الحاضر دائماً إذا ما تَعلّق الأمر بإسرائيل ومحيطها العربي.

ضمن هذا الواقع، من الواضح أن دائرة القرار والملك شخصياً أرادا الإعداد للمرحلة المقبلة، وبدأ ذلك مع اختيار طاقم الحكومة الجديدة برئاسة مستشار عبد الله الشخصي (راجع عدد 16 تشرين الأول)، لتُنجز أوّل بند على أجندتها بعقد الانتخابات النيابية الثلاثاء الماضي «كيفما تأتّى»، ولا سيما أن الحكومة بحاجة إلى ثقة مجلس الأمة، بشقَّيه النواب والأعيان، فضلاً عن الحاجة إليه للتصديق على أيّ مشروع ستُقدّمه. كذلك، اختار الملك أعضاء «الأعيان» (مجلس الملك) في سابقة هذه المرّة، بتعيينهم قبل الانتخابات البرلمانية. أمّا إجراء الانتخابات «كيفما تأتّى»، فجاء وسط تفشٍّ خطير لفيروس كورونا المستجد في المملكة، والارتفاع الكبير لأعداد المصابين والوفيات، والتي وصلت عشية يوم الاقتراع إلى 91 وفاة ونحو ستة آلاف إصابة، في أعلى حصيلة سُجّلت في البلاد منذ بدء الجائحة.
وإن كان الأمر في ظاهره انتخابات برلمانية دورية واستحقاقاً دستورياً في بلد نظامُ الحكم فيه «نيابي مَلَكي وراثي»، فإن المفارقة تكمن في الغياب التامّ لمجلس النواب منذ إعلان قانون الدفاع إثر جائحة كورونا في آذار/ مارس الماضي. هذا التعطّل البرلماني لم يُثِر حفيظة الشارع الذي يرى في الانتخابات حالة وهمية غير قادرة على التغيير، خصوصاً مع الصبغة العشائرية الدائمة للمرشحين، إضافة إلى نواب "البزنس"، في ظل وجود سياسي قليل جداً تمثّل دوماً في نواب «الإخوان المسلمون» أو مَن هم محسوبون عليهم. لذلك، لم يؤدّ التهليل للانتخابات، سواء من الدولة أم الإعلاميين وحتى منظمات المجتمع المدني التي تكون الانتخابات موسماً مزدهراً لها، إلى تحقيق نسبة مشاركة مقبولة، فقد وصلت إلى 29%. وجاءت النسبة الأقلّ على مستوى المحافظات في العاصمة عمّان (لم تتجاوز 17%)، فيما كانت دوائر البدو الثلاث الأعلى في نسبة المشاركة بنحو 60%.

جاءت نسبة المشاركة متدنيّة جداً ولم تتخطّ 29%


ليست النتائج وحدها اللافتة، بل حتى الإقصاء الضمني من الترشيحات، خاصة مع إطاحة واضحة لعدد من رموز البرلمان السابق، أبرزهم رئيسه عاطف الطراونة، بعد ترؤسه "مؤتمر البرلمانيين العرب" الأخير، والذي صدرت فيه مواقف إيجابية ضدّ «صفقة القرن» والتطبيع. وغاب الطراونة بعد ملاحقته وعائلته بتهم فساد، والحجز على أموال أخيه. على المقلب الآخر، وعلى رغم مشاركة الأحزاب القومية واليسارية بضغوط من الواضح أنها متعلّقة باستمرار تلقيها الدعم الحكومي، كانت خسارتها فادحة في كلّ الدوائر التي تَرشّحت فيها. خسارة مُني بها أيضاً أنصار حزب «الدولة المدنية»، مع الانقسام داخل الحزب نفسه، من جرّاء استقالة أبرز رموزه مروان المعشر (وزير الخارجية الأردني الأسبق وأول سفير لدى تل أبيب). كذلك، شهدت هذه الانتخابات تراجعاً لقائمة «الإخوان» من 14 نائباً إلى 10.
ومع ظهور معظم النتائج حتى كتابة التقرير، تبدأ أسئلة الجانب التشريعي بالظهور، من قبيل: كيف ستُعقد الدورة الأولى للبرلمان؟ وكيف سيلقي الملك كلمة العرش وما آلية الردّ عليه، في ظلّ التفشّي الوبائي، والخوف من ازدياد الأعداد بعد الاختلاط أثناء الاقتراع، وحالة التخبّط في الجانب الصحي؟ كلّ ذلك في ظلّ التكتّم على ما ذكرته مصادر عبرية عن نقل مدير «الخدمات الطبية الملكية» التابعة للقوات المسلحة، العميد عادل الوهادنة، للعلاج في مستشفى «هداسا» في القدس المحتلة، وهو ما رأت الحكومة أنه من أسرار الدولة، رافضة الكشف عن تفاصيل في شأنه.
الآن، لم يبقَ أمام الأردن المستعدّ تشريعياً وتنفيذياً سوى انتظار تنصيب بايدن رئيساً لمعرفة كيف ستدار دفة الأمور في الإقليم، وما الدور الأردني المطلوب، وأيضاً المقابل الذي ستتلقاه المملكة، خاصة أن مذكرة التفاهم الخمسية التي وقّعتها واشنطن وعمّان في 2018، وتحصل بموجبها الأخيرة على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً، كانت في عهد ترامب الذي هو نفسه ضيّق الخناق على «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، ما زاد الأعباء الأردنية، فضلاً عن ملف اللجوء السوري المكلف الذي كان من تركة أوباما وتجاهَله ترامب تماماً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا