تبدو «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لتحديث المملكة، أمام تحديات جسيمة لا تفتأ تتزايد، منذ أن شرعت السلطات في تنفيذ إجراءات التغيير الاقتصادي. تحديات تتصدرها راهناً كيفية تمويل صندوق الاستثمارات العامة، بعدما بات إلغاء الطرح الأوّلي لـ«أرامكو»، أو على الأقل تجميده، محسوماً. ورغم أن السلطات قد تستطيع إيجاد سبل بديلة، إلا أن ذلك لا يظهر كافياً لمعالجة بنية بأكملها، يصرّ ابن سلمان على مضاعفة مشكلاتها.

لا طرح عاماً أوّلياً لـ«أرامكو». خلاصة اجتمعت معطيات الساعات القليلة الماضية على تأكيدها. بعدما أثير أخيراً الكثير من علامات الاستفهام حول مصير الخطة التي تمثّل الحجر الأساس في «رؤية 2030»، جاء حديث مصادر مطلعة إلى وكالتَي «رويترز» و«بلومبيرغ» ليثبّت تلك الشكوك، ويحسم الجدل بشأن تأجيل الإدراج إلى عام 2019 أو قصره على الشقّ المحلي (بورصة تداول). صحيح أن وزارة الطاقة السعودية سارعت إلى نفي الخبر، إلا أن نفيها أتى أقرب إلى التأكيد؛ إذ ربطت تنفيذ الطرح بـ«توفر الظروف المناسبة»، وهو ما يؤكد قول أحد المصادر إن بيع 5% من أسهم «أرامكو» «تأجّل حتى إشعار آخر». تأجيل يفتح الباب على خيارات بديلة أكثر تعقيداً، قد تمكّن السعودية من جمع الأموال، ولكنها ستستغرق وقتاً أطول مما أراده ولي العهد محمد بن سلمان، ولن تفلت من المشكلات المتكاثرة التي لا تزال تعرقل خطط الإصلاح الاقتصادي.
في آذار/ مارس الماضي، تواترت الأنباء عن تأجيل الإدراج المزمع لعملاق النفط السعودي إلى عام 2019، بعدما كان مُقرَّراً في النصف الثاني من عام 2018. وفي تموز/ يوليو الفائت، تعزّز الحديث عن تأجيل الإدراج برمّته (المحلي منه والعالمي)، مع إعلان «أرامكو» نيّتها شراء حصة استراتيجية في الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، المملوكة من صندوق الثروة السيادي السعودي بنسبة 70%، في ظلّ تراجع حظوظ الطرح الأولي خلال العام الجاري إلى ما يقارب الصفر، وحديث مصادر متعددة من داخل «أرامكو» بيقين عن أن «الاكتتاب لن يحدث». حديث بدا، أول من أمس، أكثر قوة وأشد وضوحاً مع إماطة اللثام عن تسريح المستشارين الماليين لعملية الاكتتاب، والامتناع عن تعيين مديري دفاتر، رغم تنافس بنوك عديدة على المنصب، وأيضاً تعليق الميزانية التي خصّصتها «أرامكو» لجيش من المحامين والمصرفيين والمحاسبين الذين كانوا يلعبون أدواراً استشارية.

يعتزم صندوق الاستثمارات العامة اقتراض 12 مليار دولار


ونقلت «رويترز» عن مصدر سعودي مطلع قوله إن «قرار إلغاء الطرح اتُخذ منذ فترة، لكن لا أحد يستطيع الكشف عن ذلك، لذا تمضي التصريحات تدريجاً... أولاً التأجيل ثم الإلغاء». كذلك نقلت الوكالة عن مصدر ثانٍ وصفته بأنه «مستشار مالي كبير» أن «الرسالة التي تلقّيناها هي أنه لا طرح أولياً في المستقبل المنظور»، وأن «الطرح المحلي في بورصة تداول تقرر تجميده» هو الآخر. وأكد مصدر ثالث أن «الطرح الأولي أُلغي»، فيما أفاد مصدر رابع، قالت «رويترز» إنه «مسؤول نفطي كبير»، بأنه «تقرر تعليق عمل المستشارين». تسريبات سرعان ما عزّزتها وكالة «بلومبيرغ» الاقتصادية بكشفها، نقلاً عن مصدرين، أن مجلس إدارة «أرامكو» اتخذ قراره بتعليق الاستعدادات للاكتتاب العام خلال اجتماع عُقد في وقت سابق من الشهر الحالي في سويسرا.
هذه المعطيات التي باتت من التواتر بمستوى يصعب معه دحضها، أصرّ وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، على نفيها، واصفاً إياها بأنها «غير صحيحة». لكن الفالح، الذي يسود انطباع قوي بأنه هو من يقف خلف تجميد الاكتتاب، ربط إمكانية تنفيذ الطرح بتوافر «الظروف الملائمة»، ومن بينها «مناسبة أوضاع السوق لتنفيذ العملية، وكذلك عملية استحواذ محتملة في قطاع التكرير والكيميائيات (أنشطة المصب) ستقوم بها الشركة خلال الأشهر القليلة المقبلة». بالنسبة إلى الشرط الأول، لم يبرز إلى الآن أي معطى يغاير التقدير العام بأن تطلّع السعودية إلى جني 100 مليار دولار من وراء بيع 5% من أسهم «أرامكو» إنما هو طموح مبالغ فيه، وأن القيمة السوقية للشركة لن تتجاوز في أحسن الأحوال 1.3 تريليون دولار، بعدما كان ابن سلمان يأمل أن تبلغ تريليونين اثنين. أما الشرط الثاني، والمتصل بشراء حصة في «سابك»، فلا يزال يُنظر إليه اقتصادياً على أنه بديل من طرح «أرامكو»، وليس تمهيداً له وفق ما أراد الفالح الإيحاء به، وقبله الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر، عندما قال إن صفقة «سابك» ستؤثر على موعد الطرح الأولي.
يقوّي الشكوك المتقدمة أن السعودية بدأت، فعلاً، البحث في خيارات بديلة لعملية الإدراج، في مقدمها الاستدانة، إذ كشفت صحيفة «فايننشال تايمز»، أمس، نقلاً عن مصادرها، أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي يعتزم اقتراض ما يصل إلى 12 مليار دولار من بنوك عالمية، مشيرة إلى أن 16 بنكاً ستشارك في عملية الإقراض هذه. وأفادت وكالة «بلومبرغ»، بدورها، بأن «أرامكو» ستعمد إلى إصدار سندات دولية، والاقتراض من بنوك خارجية، من أجل تمويل صفقة السيطرة على ما يعادل 70% من «سابك»، هي حصة صندوق الثروة السيادي من عملاق البتروكيماويات السعودي. ورغم تفاؤل «بلومبيرغ» بأن صفقة «أرامكو ـــ سابك» يمكن أن تعوّض بعضاً مما كان يتطلع إليه ولي العهد من وراء الطرح العام الأولي، إلا أن الطريق إلى جعل صندوق الاستثمارات العامة السعودي في مصافّ الصناديق العملاقة على مستوى العالم يبدو الآن أكثر وعورة. صعوبات تجلّي بعضاً منها حقيقة أن «عملية الاستحواذ (على 70% من سابك) تتطلّب وقتاً وجهداً» وفق ما أكد أمين الناصر نفسه، وأن إصدار سندات دولية كبيرة من أجل إتمام تلك العملية سيرغم «أرامكو» على الكشف عن الكثير من المعلومات المالية والتجارية، وهو ما سيضعها أمام التحدي نفسه الذي واجهته خلال مشاورات الطرح الأولي (تعزيز الشفافية).
وحتى لو تمكنت السلطات من تجاوز العقبات المشار إليها وغيرها، فإن تحديات كثيرة، في مقدمها فشل «السعودة» وهروب الاستثمارات، تبقى ماثلة أمام عملية التغيير التي يريد ابن سلمان الدفع بها قدماً، واضعةً «رؤيته» لتشكيل «سعودية عظيمة» على محكّ الانهيار. ومن هنا، يلحظ مراقبون مؤشرات إلى احتمال عودة السعودية إلى «النهج التقليدي الحذر»، وفق ما رأت صحيفة «فايننشال تايمز» قبل أيام، لكن هذه العودة «لن تكون سهلة»، وهي تتطلّب تراجعاً على رأس مظاهره وقف الحرب على اليمن.