دائماً كان محط أنظار مناهضيه ومعجبيه على حد سواء، حتى وهو مسجّى في غرفة تبريد أصبحت محجّاً لكل الشامتين والفضوليّين. آلاف الليبيين جاؤوا الى مصراتة لإلقاء النظرة الأخيرة على جثة بلا نياشين، ولا أزياء مزركشة اشتهر بها في ظهوره المتكرّر.

جثة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي مصابة بطلق ناري في الرأس وآخر في البطن وعدد من الإصابات الأخرى. هكذا خرج تقرير الطبيب بعد تشريح الجثة أمس، بناءً على طلب السلطة الانتقالية في طرابلس.
الجثة، التي لا تزال في مصراتة بعد نقلها من سرت الخميس الماضي، ستسلَّم الى أقرباء القذافي، حسبما أعلن رئيس الوزراء المؤقت أحمد جبريل. المسؤول الليبي الذي توقع أن يكون القذافي قد قُتل برصاصة طائشة، تمنى لو أن الزعيم السابق ظل على قيد الحياة، ولم يُقتل. يقولها جبريل بصراحة: «تمنيت لو كنت المدعي العام لمعرفة أسباب تنكيله بالشعب الليبي. ولماذا حكم ليبيا 42 عاماً. وسأرحب بفتح تحقيق كامل بشأن أسباب مقتله» تحت إشراف دولي.
المشهد في غرفة التبريد غير مكتمل، فالإصابات مغطاة بالقماش حتى لا يظهر دليل على كيفية مقتله. رأسه منحنٍ إلى الناحية اليسرى ليبقى مكان العيار الناري مخفياً. والحراس بكماماتهم الخضراء التي تقيهم رائحة العفونة، يراقبون الجثة خوفاً منها وعليها.
العقيد وحيد مسجّى على خرقة بالية، لا أحد يبكيه. لا نساء تولول أو تندب بجوار جثته ولا من تشقّ ثيابها، فقط صوت صفيّة أرملته وصل عبر أثير قناة «الرأي» ليُطالب المنظمات الدولية بالضغط على المجلس الانتقالي لتسليم جثته مع جثة ابنه المعتصم، الذي قتل في نفس المدينة، ونفس اليوم، لكن المصادر الرسمية ترجّح أن «إمام المسلمين» سيُدفن حسب «الشريعة الإسلامية» في مكان سري تفادياًُ لزيارة أنصاره لقبره.
لحظة الاحتضار شابها الالتباس، لعل المقاتلين الذين حاربوه على مدى ثمانية أشهر من مدينة الى مدينة ومن دار الى دار، قد ضاقوا ذرعاً به في الزنقة الأخيرة «فأخذتهم الحماسة وأخذوا القانون بأيديهم عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الرجل الذي يكرهونه»، على حد تصريح قائد عسكري. القائد المصراتي يؤكد ما قاله رجل السياسة: «كنا نريد إبقاءه حياً لكن الشبان... الأمور خرجت عن السيطرة». الفوضى والعنف سادا الدقائق التي أدت إلى مقتله، كما أظهرت رسائل الهواتف المحمولة المصوّرة التي شاهدها العالم. كان القذافي سيد الشاشات، لكن هذه المرة نصف عارٍ من أحدث صرعة للأزياء الأفريقية، ومن دون نياشين حصل عليها بلا حروب. وفي تسجيل مصور آخر، حصلت عليه «رويترز»، ظهرت قافلة من الحافلات تسرع على طريق صحراوي والأبواق تدوي ويصيح الرجال قائلين «لقد أمسكنا بمعمر. إنه معمر».
يصيح رجل ملتحٍ وهو يمسك بيد شاب تحمل مسدساً: «هذا هو الشاب الذي قتل القذافي. باستخدام هذا. فهمتم. لقد فعلها أمامي. لقد رأيته أمامي». مع ذلك لا يبدي الليبيون انزعاجاً من الطريقة التي قُتل بها «ملك الملوك»، الذي قتل الآلاف منهم خلال الانتفاضة الشعبية.
الابن أيضاً مسجّى في مصراتة، وضع بجوار جثمان والده في غرفة التبريد. هو الآخر لا تزال ظروف مقتله غير واضحة. لقد شوهد المعتصم قبيل مقتله، معتقلاً في غرفة ويدخّن سيجارة ولم يبد أنه مصاب بإصابة بالغة. في غرفة التبريد غُطّي جثمان المعتصم بغطاء أول من أمس. وخيطت الجروح التي كانت موجودة في فكه وفي رقبته.
وزير الدفاع السابق أبو بكر يونس جابر، أبت جثته أيضاً أن تفارق «قائدها» فوُضعت على محفّة بين القذافي وولده. ظهرت فيها الجروح التي سببتها طلقات الرصاص في صدره وأعلى ذراعه اليسرى. هكذا أصبحت القيادة الليبية السابقة مجموعة جثث مسجّاة تنتظر المفاوضات حول طريقة دفنها ومكانه وتوقيته.