كان هذا هتاف الجموع الغاضبة في ميدان التحرير في القاهرة أمس. الهتاف كان رداً على طلعات من مقاتلات حربية تحلّق على ارتفاعات منخفضة وتحدث أصواتاً مرعبة تشبه الرعد، أخرجت سكان قلب القاهرة الذين التزموا بموعد حظر التجوال هلعاً من شرفات منازلهم.

يبدو أن هذا هو الاستعراض الأخير لقوة تنّين يُحتضَر، حيث ظهر المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع لأول مرة في شوارع القاهرة يصافح الجنود والمواطنين في الإعلان عن وجود الدولة الغائبة على مستوى الخدمات والأمن منذ الاختفاء الغامض لقوات الشرطة بعد هزيمتها في جمعة الغضب.
زيارة طنطاوي يمكن قراءتها على أكثر من مستوى، أولاً أن الدولة ترمّم آثار الانفلات الأمني بعد جمعة الغضب، حين فقدت قوات الشرطة السيطرة على جماهير الغاضبين، وأُعلن من يومها حظر التجوال ونزلت قوات الجيش إلى الشوارع لأول مرة منذ عام 1986.
ولأول مرة أيضاً يصبح لظهور المشير طنطاوي معنى سياسيّ، وهو الصامت المعروف بابتعاده عن الفاعلية خارج مساحة المؤسسة العسكرية، وذلك مقارنةً بأسماء أكثر صخباً في تاريخ علاقة الجيش بالسلطة (المشير عبد الحكيم عامر والمشير عبد الحليم أبو غزالة).
طنطاوي اليوم يؤدّي دوراً سياسياً ليس معروفاً لمصلحة مَن. هل هو إعلان تأييد الجيش لمبارك، أم رسالة إلى المعتصمين في ميدان التحرير؟ أن الجيش موجود بكامل سلطته في المدينة من السماء إلى الأرض.
هل حسم الجيش موقفه لمصلحة تأييد مبارك؟ سؤال يشغل مستويات كثيرة في السلطة وما حولها، وخاصةً بعد قرارات «عسكرة السلطة»، التي وضعت اللواء عمر سليمان في موقع نائب الرئيس الذي ظل شاغراً ثلاثين عاماً، وقفزت بالفريق أحمد شفيق، وهو زميل مبارك القديم في القوات الجوية، إلى موقع رئاسة الحكومة، كما احتل خبر استدعاء الفريق سامي عنان رئيس الأركان اهتماماً ليس خافياً، وإذا أضيف إلى هذه العناصر نزول قائد الجيش إلى الشارع في ظل استعراض للقوة، وبعد زيارة مبارك إلى مركز قيادة العمليات العسكرية، نكون أمام ملامح حرب غير معلنة ليس معروفاً هل هي حرب دفاعية عن نظام منهار، أم هي موجّهة ضد الثائرين في ميدان التحرير.
«الجيش مش معانا»
هكذا انقسم المعتصمون «الجيش مع الانتفاضة أم مع السلطة؟»، لم يعلن الجيش سوى رسائل تتحرك ببطء رغم خطورة الوضع في مصر، ويبدو من بعيد أن هذه الرسائل تتحرك بإيقاع عناد مبارك أو رفضه التخلي عن الخلود في السلطة، أو حتى رغبة «أركان» الدولة في مصر في أن يخرج مبارك خروجاً آمناً ولا يهزّ هيبة الدولة واحترام رأسها.
هذه الرغبة تربك الجميع في مصر، لأنه ليس مفهوماً حتى الآن كيف تتحمل دولة مثل مصر هذه الهزة الكبرى والخروج المنفلت عن السلطة الذي يعدّ حدثاً استثنائياً في تاريخ المصريين. إنها مواجهة عنيفة بين حيوية الثورة وجنون السلطة. وهذا حصيلة الأيام الخمسة الأولى من ثورة تغيّر مصر إلى مستقبل جديد، وولادة تبدو عسيرة لمصر جديدة، تثور على نفسها قبل ثورتها على حاكم استمر ثلاثين عاماً وأوصل البلاد إلى الانفجار.
المطلب الرئيسي للثائرين رحيل مبارك «ولا تراجع ولا استسلام» عن هذا المطلب، وعندما لم يفهم الرئيس شعار «الشعب يريد تغيير النظام»، واكتفى بخطاب ضعيف وإقالة الحكومة، غيّر المتظاهرون الشعار إلى «الشعب يريد تغيير الرئيس». وعندما أُعلن تعيين عمر سليمان نائباً للرئيس، ظهرت شعارات على نبرة «لا لمبارك لا لسليمان» وأصبح الشعار: «الشعب يريد محاكمة الرئيس». في الشعار الأخير إحساس بأن سقوط مبارك هو قيد الوقت القليل القادم، وينتظر المتظاهرون في النهار والليل ويبيتون في الشوارع انتظاراً للحظة إعلان الرئيس مغادرة قصر الرئاسة. ولم يعد يكفي في مقابل هذه الثورة إلا ضحية ثمينة بدلاً من ضحايا يقدمها النظام منذ لحظة انتصار جمعة الغضب. الضحية الأولى كانت أحمد عز، المليادير المعروف وأمين التنظيم للحزب الوطني الحاكم، ومن بعده الحكومة بكامل هيئتها، وستتوالى الضحايا التي تقدّم إلى جمهور غاضب، غامض بالنسبة إلى الجميع، سواء سلطة لا تعرف سوى معارضتها المهجّنة، أو معارضة بدت تائهة، عاجزة، بتأثير قهر طويل المفعول والمدى.
إنها ثورة المصريين لا على فرعونهم فقط، بل على أنفسهم أيضاً قبل كل شيء. في الغضب اكتشفوا جوانب مهجورة في نفسياتهم صنعت ما يمكن تسميته أداءً مدهشاً في عملية «تحرير ميدان التحرير».
من ميدان التحرير تبدأ جزيرة الثورة بامتداد شوارع وسط البلد، حيث يعتصم المطالبون برحيل مبارك في غياب كامل للشرطة بكل عتادها وسلاحها وعنفها، الذي كاد أن يحرق القاهرة لولا إرادة الغاضبين بالحفاظ على عاصمتهم وحمايتها من السلطة المتوحشة.
الشرطة بدت كأنها «فص ملح وذاب». اختفى كل ضباط وعساكر ما كان يعدّه المصريون جيش حماية مبارك، حيث تضخّم جهاز الأمن الداخلي في عصر الرئيس مبارك إلى حدود مهووسة، ووصلت أعداد عناصر الشرطة إلى رقم يفوق المليون. كل هؤلاء لم يعد لهم وجود بعد قرار إعلان حظر التجوال وهبوط دبابات الجيش من الثُّكن إلى شوارع الإسكندرية والقاهرة والسويس.
اختفاء الشرطة لم يكن عفوياً، بل كان ضمن خطة يريد بها النظام إيصال رسالة «أنا أو الفوضى»، لكنّ الثائرين ردّوا بتأليف لجان أمن شعبية في كل أحياء القاهرة والمدن الكبرى تحت حظر التجوال.
تقوم اللجان الشعبية بدوريات منظّمة لحماية المنشآت العامة والممتلكات الخاصة وتسيير المرور، إضافةً إلى لجان خاصة مهمتها تنظيف الشوارع بعدما غابت الدولة والمؤسسات الخدمية وانطلقت عصابات البلطجية المنظّمة تثير الرعب والتخريب والسرقة.
بدأت فكرة اللجان الشعبية من حماية المتحف الوطني المصري، التي قام بها شباب الانتفاضة في مواجهة عصابات مسلحة لسرقة مقتنيات المتحف، اكتُشف بعدها أن هذه العصابات مكوّنة من ضباط وجنود في جهاز الشرطة.
لجان الإدارة المدنية كشفت تحوّل جهاز الدولة إلى مؤسسات تُدار بمنطق مافيوي يسيطر على صنّاع الجريمة ويدير عالمها السري، ولا يحقّق الأمن.
لجان الحماية تشبه إلى حد ما نظام «السوفياتات» المعروفة في الثورة البلشفية، لكنها بدون تنظيم سياسي موحّد، وهي في العموم تعيد علاقة المصريين بمدنهم وبيوتهم، وتجعلهم يكتشفون أن «هذا بلدهم». وكما يتردد على ألسنة المشاركين من طوائف وشرائح وأعمار مختلفة في ثورة «عودة الروح» كما وصفتها سيدة مصرية رمّمت الانتفاضة على مبارك علاقتها ببلد كان حبّه عصيّاً كما حكت والدموع تتحرك في عينيها عن سنوات عمرها التي رأت فيها كيف أخرج «القهر الناعم» الطاقات السلبية من المصريين، وها هم المصريون كما وصفتهم الأغاني يسيرون أحراراً في ميدان التحرير.