«سأكلّمك عن المخيم» يقول الشاب الذي استقبلني، الناشط على الفايسبوك، ويضيف «رح آخدك عند كل الناس تحكيهم وتفهمي منهم حقيقة اللي عم يصير بالمخيم»، فتعقيدات مخيم ضبيه لا تبدأ بمشاكل مشروع المياه الذي أُنفقت عليه ملايين الدولارات.. ولا تنتهي بإخفاء الهوية والاضطرار للعيش، في «البيت» نفسه، مع الخصم السياسي التاريخي.


نشأ المخيم على أرض الوقف الماروني ليستقبل لاجئي البصّة حيفا ويافا. في البدء، عاش اللاجئون في «براكسات» بحمّامات جماعية. وعن تلك الفترة يستذكر أحد السكان كيف كان عناصر المكتب الثاني يتنزّهون في المخيم براحة، يقبضون على من يريدون، ويمنعون التعاطي في السياسة أو الانتماء إلى أحزاب. كان ذلك في العام 1965. لم يكن اسمه مخيم ضبية، وهو اسم المنطقة التي يقع فيها، بل مخيم الشهيد الفدائي حنا عيد الذي استشهد في الأردن.
في العام 1976 نشبت معارك بين اهل المخيم واحزاب اليمين اللبناني: الكتائب، الوطنيين الأحرار وحرّاس الأرز. سقط المخيم بعد 5 أيام. يتذكر أحد السكان كيف جالت الميليشيات في المخيم طالبة تجميع كل الأهالي في الملعب. كان الطقس باردا، لكن أجبرت العائلات والأطفال والنساء على الجلوس في الوحل. ومنذ ساعات الصباح الأولى وحتى المغيب، أخذوا يسحبون الرجال ويضربونهم. سرقوا وهدموا البيوت، وقتلوا 70 شهيدا من بينهم 12 شابا لا تتعدى سنّهم 15 عاما، أخذوهم من الصف في المدرسة الإنجيلية و..أعدموهم هناك!
«سيطروا على المخيم بالكامل»، يقول محدّثي، بعد أن روّعوا الأهالي، ثم أكملوا طريقهم إلى تلّ الزعتر. يقولون ان أمين الجميل أوقف جرّافة عن هدم المخيم... لكن «جماعته حرقوا دين العالم». ويكمل الشاب «احتلّوا الكثير من البيوت. كثر من اضطرّوا لترك المخيم، فباعت الميليشيا بيوتهم بخمسة آلاف ليرة للبنانيين». بقي المخيم تحت سيطرة الميليشيات حتّى عام 1989 حيث دمّر جزء كبير منه، وقد أُجبر من بقي في المخيم على التعامل معهم، أي ان بعضهم انتمى الى تلك الاحزاب..
ويبرّر فلسطينيو تلك الأحزاب خطوتهم بأنهم حموا الناس حين كان حزب الكتائب يشكّل خطرا ضمن بيئة معادية. لكن محدثي يسخر من ذلك بقوله «أستمتع باستفزاز هؤلاء، من يعتبرون أن هذه الأحزاب حمتنا وتحمينا، ويتصرفون كأنه لا وجود لفلسطين. بقلّهم : ليش ما فيك تتملّك؟ لأنك فلسطيني ما هيك؟».
مشاكل المخيم
تتنوّع المشاكل هنا بين استئثار بالسلطة من جهة واستعمالها ضد السكان من جهة أخرى. يحاول الرجل الستينيّ تفسير ما يحصل مع مجمّع الكنائس. يقول بأن مجمّع الكنائس لا يمكن أن يكون مسؤولا عن تصرّفات وتعنّت وتطرّف بعض الأشخاص في المخيم (ممن تعرضوا لنا سابقا). فهذا المجمّع هو، بحسب قوله، جزء مهم من المخيمات، أسّس مدارس مهمّة في لبنان، تخرّجت ليلى خالد من إحداها.
وفي مخيم ضبيه، افتتح مركز جديد للمجمّع، يقيم نشاطات للأطفال ويدور همس حول «فاعليته»، خصوصا ان من يديره لا صلة له بسكّان المخيم.
وينتقد الكثيرون ما يقوم به مركز المجمع في المخيم. فقد اقترح مثلا على الأهالي مشروع «صندوق الرحمة» حيث تدفع كل عائلة شهريا 5آلاف ليرة، لمساعدة اهالي المتوفين بمليون ليرة تكاليف الجنازة. ولقد اشتركت 250 عائلة فعليا بهذا المشروع. لكن السكان اكتشفوا بعد فترة بأن الكنيسة كانت قد دفعت تكاليف أوّل عشر جنازات، في الوقت الذي قبض فيه المركز المال عن هذه الجنازات من السكان! كما «اكتشفوا» أن المركز كان قد أدرج في ورقة المشروع، بنداً يصبح بموجبه مكلّفاً بتأليف لجنة أهلية باسم المخيم، وهو أمر غير قانوني لأنها لجنة غير منتخبة وغير معترف بها من السفارة ولا من وزارة الداخلية.
بالمقابل، أسّس السكان لأول مرة لجنة رياضية، تحظى بموافقة الأونروا ويٌعوّل عليها للقيام بالنشاطات المختلفة مجاناً وتكون تحت سلطتهم بعيدا عن سلطة الأحزاب اللبنانية. يقول العاملون في هذه اللجنة بأن المشكلة ليست مع المجمّع نفسه، بل مع أفراد في مركز المجمّع في المخيم «فعلى الأقل لا يجوز أن يكون مسؤول المركز هو منسّق القوّات اللبنانية في المخيم».
من ناحية أخرى، يظهر ضغط جلي على المخيم في موضوع المياه. يشتكي السكان من حاجتهم المستمرة لشراء الماء (50000 أسبوعيا). وقد بدأت النساء بالتظاهر أمام مركز الأونروا الأسبوع الماضي لأن الوضع أصبح «لا يُطاق». وعند التدقيق في تفاصيل مشروع المياه الذي أنجزته الأونروا، تظهر العديد من الثغر. فحتى العام 1998، كانت ضبيه تمدّ المخيم بالمياه. ثم جرى ما يعتبره البعض «لعبة ما» بين أشخاص نافذين في المنطقة: تمّ الحصول على هبة بقيمة 90 ألف يورو من الحكومة الألمانية لتركيب شبكة مياه جديدة داخل المخيم. و«بسحر ساحر»، كما يقولون، كبر المشروع لتضاف إليه كلفة جر المياه من «بئر طاميش» (في حين ان ضبية اقرب) التي تبعد نحو 3 كلم عن المخيم.. هكذا نفّذ مشروع بقيمة 90 ألف يورو. لكن يتساءل السكان: إن كان المشروع قد نفذ فعليا، فلم عملت الأونروا على مدّ شبكة جديدة تماما، لا بل بناء خزّان جديد؟ اين ذهبت اموال المشروع الألماني؟
ومن العراقيل الأخرى التي واجهتها الأونروا من مختلف مؤسسات الدولة في المنطقة، أن الجهات الرسمية اللبنانية قالت لهم انها لن تسمح بمرور المياه قبل أن «يشترك» سكّان المخيم بالشبكة»! هذا الضغط لـ«شرعنة الاشتراك» بالشبكة يعتبر سابقة تاريخية بحيث انه لم يتمّ من قبل تقديم طلب كهذا لا للأونروا ولا للمنظمات الفلسطينية، ممّا يجعل الكثيرين يرون فيه خيوطا لمحاولات رسمية في المنطقة لتهجير الناس من المخيم. على طريقة «اشتغل وعطل تيقولولك بطل» وان لم يعجبهم «فأرض المخيمات واسعة».
عكس التيار
وراء المشاكل اليومية، مشاكل هي الأخرى أساسية في مخيّم يقع في «المنطقة الشرقية». ÷ هناك من يعمل على أن ينسى سكّان هذا المخيم من أين جاؤوا وما هي فلسطين بالنسبة إلينا. يريدونها أن تصبح كذبة»، يُسرّ لنا البعض.
ويلوم السكان الفصائل الفلسطينية وغيابها الذي سمح من جهة بتعاظم نفوذ الأحزاب اللبنانية على مناهضتها للقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى بجعل الأهالي يحسّون بأنهم متروكون. ففعل المقاومة هنا هو في قول جملة «أنا فلسطيني» داخل المخيم.
تصوّرن وتصوّروا معي صورة لبيار الجميّل مثلا، كما يقول أحد السكان، مرفوعة أمام لاجئ فلسطيني، في عقر داره... عندها تتوضّح صورة الانفصام والانسلاخ المفروضين على سكان المخيم.
يذكّرنا مخيم ضبيه بمشهد من فيلم إيليا سليمان الأخير، «الزمن الباقي»، تنشد تلميذات فلسطينيات النشيد الإسرائيلي بالعربية بحماسة. مشهد سوريالي.. والمخيم لا يعيش بعيدا عن هذه الحقيقة.




يحوي مخيم ضبيه نحو 1800 شخص، يتوزّعون على الانتماءات التالية: 110 عائلات لبنانية (بينهم 53 عائلة محتلّة لبيوت اللاجئين)، 250 عائلة فلسطينية، 100 عائلة فلسطينية مجنّسة، 50 عائلة لبنانية تحمل بطاقة إعاشة (من قرى لبنانية حدودية). وإذا ما نظرنا إلى إحصاءات أعداد السكان في المخيم، وباعتراف من الأهالي، فإن انخفاض العدد من 5000 في الـ1997 إلى 4000 في الـ2004 ثم إلى أقل من 1800 في الـ2009، نرى نجاح المحاولات لتفريغ المخيم من اللاجئين.