طرابلس | سواء ولّيت وجهك شرقاً أو غرباً في ليبيا اليوم، فإنك ستلاحظ أن التوتر الأمني بات يرتقي إلى حد الانفلات؛ فقد ألقت الأزمات الأمنية المتلاحقة بظلالها على وزير الداخلية الليبي محمد الشيخ، فلم تُعط له فرصة لمواصلة عمله، فاستقال «الشيخ» تاركاً كرسيه شاغراً ومحلاً للتجاذبات الحزبية والقبلية والجهوية. مقعد شاغر قد يشغل بال الكثيرين وتتمناه المدن الكبرى. استقالة الشيخ، التي لم تكن مفاجأة لمتابعي الشأن الليبي، جاءت بعد موجة من الانتقادات وجهها من يتصدر المشهد الإعلامي والسياسي في البلاد، حيث ندد النشطاء السياسيون بأداء الوزير المستقيل، مشيرين إلى أن أداءه لا يستوعب حجم الكارثة الأمنية التي تواجهها ليبيا.


الوزير المستقيل لم يكن أول وزير للداخلية في حكومة رئيس الوزراء علي زيدان يقدّم استقالته ويترك كرسيه شاغراً لتناط مهمات الوزارة مؤقتاً بنائب رئيس الحكومة الصدّيق عبد الكريم، فقد سبقه عاشور شوايل من مدينة بنغازي الذي استقال بعد أن تعالت الأصوات المطالبة بإقالته للأسباب نفسها، ليصبح الشيخ ثاني وزير للداخلية يستقيل في حكومة لا يتجاوز عمرها ثمانية أشهر.
فالشيخ الذي لم تتجاوز مدة توليه لحقيبة الداخلية أشهراً ثلاثة، سُجل في حقبته أسوأ خروقات أمنية منذ انهيار المنظومة الأمنية لنظام العقيد الراحل معمر القذافي؛ إذ لم تمر أسابيع على توليه مهماته حتى سُجِّل أول اغتيال سياسي في ليبيا ما بعد العقيد؛ فقد اغتيل الناشط الحقوقي عبد السلام المسماري في تموز الماضي، في وقت سُجلت خلاله اغتيالات شبه يومية في مدينة بنغازي استهدفت ضباطاً في الجيش والشرطة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فبعد إشاعة صدور قائمة بالمستهدفين سياسياً وإعلامياً، استُهدف الإعلامي عز الدين قوصاد بوابل من الرصاص أمام المسجد بعد خطبة صلاة العيد ليُسجل بذلك اغتيال أول إعلامي.
الخروقات الأمنية لم تقف عند حد القتل والتفجير؛ فقد تمكن متظاهرون أمازيغ الثلاثاء الماضي من تحطيم مقر البرلمان الليبي، اعتراضاً على عدم ضمان «دسترة» لغتهم، ما استدعى اجتماعاً عاجلاً بين ممثلين من المجلس الأعلى للأمازيغ وممثل الأمم المتحدة لدى ليبيا طارق متري، الذي أكد خلال الاجتماع أن طبيعة النظام السياسي في ليبيا «أمر يتفق عليه الليبيون»، وأن «اعتماد الدستور شأن ليبي سيادي»، مشيراً إلى الأهمية التي توليها الأمم المتحدة لحقوق المنتمين إلى المكونات الثقافية والاجتماعية، ومذكّراً بما هو «منقوش» في مواثيق الأمم المتحدة ونصوصها المرجعية عن الحفاظ على حقوق المكوّنات. وشدد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة وجود حوار وطني لحل القضايا المتعلقة بالمكونات الثقافية في ليبيا.
أما دعاة الفدرالية، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي من الشرق الليبي حتى آبار النفط في الصحراء، حيث كافة الجماعات في ليبيا باتت تسعى إلى ضمان حقوقها حتى قبل الاستفتاء على الدستور.
فمن المدن النفطية أعلنوا برقة (المدن الشرقية) إقليماً فيدرالياً، ضاغطين على المؤتمر الوطني الليبي العام (أعلى سلطة سياسية منتخبة في البلاد)، واضعين حكومة زيدان في موقف محرج، ولا سيما أن الأخير كان قد هدّد بقصف ناقلات النفط المتعاقد معها خارج شرعية الدولة.
الإعلامي الليبي منير المهندس، أوضح في حديث مع «الأخبار»، أن حكومة زيدان باتت في وضع لا تُحسد عليه، في ظل توالي الاستقالات في الوزارات السيادية، مشيراً إلى أنّ الوزير السابق المستقيل عاشور شوايل، الذي أُقيل بقانون النزاهة، أصرّ الشارع الليبي على أن يكون وزيراً للداخلية، وخصوصاً بعدما صدر قرار من المحكمة العليا بانطباق معايير النزاهة عليه.
ويضيف المهندس أن شوايل ما إن باشر مهماته ووضع بعض الاستراتيجيات الأمنية، حتى واجهته عدت ضغوط وتهديدات ولوح باستقالته إلى أن تحقق مطلبه بالاستقالة، وأصبحت الوزارة من دون وزير في ظل سلسلة الاغتيالات التي تستهدف رجال الجيش والشرطة في بنغازي. ويشير المهندس الى معاناة الحكومة الحالية من عدم توافق الأحزاب والمناطق، ما نتجت منه عرقلة للحكومة المتمثلة في شخص زيدان نفسه، مشيراً إلى ان «الاستقالة الثانية لوزير الداخلية جاءت بعدما طرح أمام المؤتمر الوطني العام، مبرراً لذلك بتدخلات بعض الأعضاء وترشيحهم لشخصيات أمنية ذات قرابة». ويلفت الإعلامي الليبي إلى ما تحدث عنه نائب رئيس الوزراء المستقيل عوض البرعصي، عن «أسباب حقيقية وراء استقالته، وهي تمركز كافة الصلاحيات لدى رئيس الحكومة من دون سواه»، قائلاً: «في وقت سابق صرح رئيس الحكومة في مؤتمر صحافي عقب استقالة نائبه بأنه يتحدى أن يزكي أحد أعضاء مجلس الوزراء». وفي ما يتعلّق باستقالة وزير الدفاع محمد البرغثي في أيار الماضي، اتهم الوزير المستقيل في مؤتمر صحافي «حزب العدالة والبناء» بالوقوف وراء إقالته، وهذا ما نفاه الحزب الذي يمثل الإخوان المسلمين في ليبيا، على لسان أحد أعضائه.
في هذه الأثناء، تمر ليبيا بوضع حرج من الناحية الأمنية وتعاني من انتشار السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل، وتحصل بين الفينة والأخرى مناوشات بين المناطق المتجاورة، ويسقط ضحيتها الكثير، فضلاً عن الوضع الحدودي المتردي الذي تأخذ منه عصابات التهريب مصدر رزق لها، وصولاً الى الهجرة غير الشرعية.