قطع بنيامين نتنياهو نصف الطريق إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، عندما تمكن من اقناع مركز حزب «الليكود» بتقديم موعد الانتخابات التمهيدية إلى نهاية الشهر الجاري، وذلك في وقت كشفت صحيفة «معاريف» فيه أن نتنياهو عرض على وزير الخارجية، افيغدور ليبرمان، التناوب في رئاسة الحكومة من أجل انتزاع موافقته على حكومة بديلة تضم الحريديم من أجل تفادي الذهاب نحو انتخابات مبكرة.


ويعكس العرض الذي قدمه نتنياهو إلى ليبرمان حجم إصرار الأول على تجنب خيار الانتخابات المبكرة، إلى الحد الذي يمكن القول إنه استمات من أجل منع هذا المسار، وصولاً إلى التنازل عن آخر سنة من ولايته في رئاسة الحكومة، كما كشفت الصحيفة. وما كان لهذا العرض أن يقدم لولا قلق نتنياهو من نتائج الانتخابات المقبلة، إضافة إلى إدراكه أن رصيده خلال الولاية الأخيرة في الحكومة كان سلبياً، ولم يعد لديه البضاعة القابلة للترويج لدى الرأي العام الإسرائيلي. كذلك لم يتمكن الرجل من تحقيق أي إنجازات فعلية على المستويات السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، وتحديداً لجهة النتائج الإشكالية المتصلة بالحرب على قطاع غزة، وكانت قد أحدثت سجالاً داخلياً لم يخرج منه سالماً.
في المقابل، كان لافتاً رفض ليبرمان عرض تولي منصب رئيس الحكومة في السنة الأخيرة من حكومة نتنياهو، وخاصة أنه يسمح له بحمل هذا اللقب، بل يعبّد له الطريق أمام الوصول إلى هذا المنصب في الحكومة المقبلة. هنا يمكن القول إنها المرة الاولى التي تلوح فيها فرصة فعلية لليبرمان كي يحمل لقب رئيس الحكومة. مع ذلك، لم ينبع رفضه من الزهد في السلطة، أو لكونه لا يرى في نفسه شخصية مؤهلة لتولي هذا المنصب، بل إن تاريخه السياسي القريب يؤكد أنه كان، ولا يزال، يعمل جاهداً كي يتولى رئاسة المعسكر اليميني، وصولاً إلى رئاسة الحكومة. لكن يبدو أن تقديراته بأن أي حكومة بديلة تهدف إلى قطع الطريق على الانتخابات، ستستند إلى أغلبية 61 عضو كنيست، وهذا يعني أن احتمالات تفجرها من الداخل كبيرة جداً، لأنها تنطوي على أطراف تتعارض مصالحها وتوجهاتها في عدد من القضايا.
من هنا كان تقدير وزير الخارجية أن هذه الحكومة ستخضع للكثير من الابتزازات، إلى درجة أن عضو كنيست واحد كفيل بأن يهدد مصيرها، وهكذا رجح، على ما يبدو، أن فرص وصوله إلى السنة الرابعة لتولي رئاستها مستبعد، فكان رفضه القاطع انطلاقا من تقديره أنه سيكون كمن قدم تنازلات مقابل وعود يعلم أنها لن تتحقق.
ولم يتأخر الإنجاز الذي حققه نتنياهو في اجتماع مركز «الليكود» عن تحقيق هدفه الأساسي. إذ بعدما نال اقتراحه لتقديم موعد الانتخابات التمهيدية تأييد 65% من أعضاء مركز الحزب، مقابل معارضة 35% منهم، سارع منافس نتنياهو الأكثر خطورة (وزير الداخلية السابق غدعون ساعر) إلى إعلان عزمه على عدم خوض المنافسة على رئاسة الحزب في هذه المرحلة. وهكذا يكون نتنياهو قد نجح في تحقيق هدفه من عملية الالتفاف، ولم يبق أمامه سوى منافسين من النوع المستبعد جداً أن يشكل تحدياً جدياً ضده في الوصول إلى رئاسة الحزب.
هكذا بات تولي نتنياهو رئاسة الحكومة مرتبطاً بفوز معسكر اليمين في الانتخابات، وهو ما تجمع عليه استطلاعات الرأي حتى الآن. مع ذلك، ينبغي تأكيد حقيقة أن القضية تبقى مرهونة بنتائج الانتخابات، وما إن كانت ستنطوي على مفاجآت، أو ستكون خاضعة لرهانات الأحزاب والمناورات السياسية الداخلية.
ومع أن نتنياهو تمكن من إزاحة ساعر من الحلبة، لكنه تلقى صفعة بالإمكان احتواؤها حتى الآن، وتتمثل في إعلان القيادي السابق في «الليكود»، موشيه كحلون، تأسيس حزب وسطي جديد يحمل اسم «كولانو، أي: كلنا»، وسوف ينافس رئيس الوزراء على أصوات يمين الوسط في إسرائيل. وما يعزز قلق نتنياهو في هذا المجال، أن استطلاعات الرأي منذ الآن تمنحه نحو عشرة مقاعد، مع أنه لم يبدأ حملته الانتخابية.
في كل الأحوال، يبقى هامش نتنياهو واسعاً في اللعب على التناقضات بين الكتل الوسطية ما دامت غير موحدة ضمن كتلة أو خطة عمل لجهة مشاركتها في الحكومة. لذلك فإن التنافس بينها يسمح له بإدخال بعضها في الحكومة، وهو ما يوسّع له قاعدتها البرلمانية ويمنحه هامشاً أكبر في المناورة الحكومية.