لأول مرة منذ عقود طويلة، تصبح السياسة في اليمن صناعة محلية خالصة، بعدما كانت تُصنع في عاصمة إقليمية، كالرياض تحديداً، أو واشنطن على المستوى الدولي.
في الحادي والعشرين من أيلول الماضي، تاريخ سيطرة جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) على صنعاء، أرسى اليمنيون معالم مرحلة جديدة لناحية بناء دولة بأيدٍ يمنية من دون الاستعانة أو التدخل من أطراف إقليمية أو دولية.

تغيّرت أوراق اللعبة في اليمن، وتبدّلت تبعاً لذلك قوانين الاشتباك، فما كان خطّاً أحمر بات ضوءاً أخضر، بناءً على تفاهم صلب بين القوى الثورية التي توافقت على مبادئ «السلم والشراكة»، في الاتفاق الذي حمل الاسم نفسه، بين الحوثيين والرئاسة.
كل مدن اليمن فُتحت أمام الثورة التي قادتها «أنصار الله» في سياق تثمير مشروع دولة وطنية يصوغه قادة الحراك الشعبي، وكأن الثورة لا تنتج مجرد دولة، بل تعيد أيضاً إنتاج المجتمع اليمني الأصلي، ما قبل عصر المحاور، حينما كان يعرّف اليمني بوطنه وتاريخه العريق، لا بطائفته.
لأول مرة يشعر اليمنيون، بصورة جديّة، بأن «الخارج» السعودي والأميركي تحديداً، يمثل مصدر تهديد لأمنهم وخياراتهم السياسية. وخير دليل على ذلك، «الهبّة» الثورية في 8 تشرين الأول الماضي، بعد زيارة السفير الأميركي لدى صنعاء لقصر الرئيس عبد ربه منصور هادي وتقديمه اقتراحاً شبه ملزم بتكليف مستشاره أحمد عوض بن مبارك تشكيل الحكومة. جاء الردّ فورياً، وتمثّل في رفض التدخل الأميركي في الشأن اليمني، ونجحت القوى الثورية في إسقاط مرشّح السفارة الأميركية.
نتذكر أيضاً إلحاح الرئيس باراك أوباما على «المبادرة الخليجية» كوصفة سعودية لمعالجة أزمة الدولة في اليمن. وبكلمة، تصبح واشنطن «الديموقراطية» شريكاً كاملاً في «الاستبداد العربي» بقيادة الرياض، حينما يتعلّق الأمر بشعوب المنطقة الواقعة داخل المجال الحيوي لنفوذها.
مشكلة الخارج، أي القوى الإقليمية (السعودية، قطر وتركيا إلى حدٍّ ما)، والقوى الدولية (الولايات المتحدة تحديداً)، وحتى هيئة الأمم المتحدة وذراعها (مجلس الأمن)، أنه يقدّم نفسه طرفاً متخاصماً مع إرادة الشعب اليمني، عبر التلطي وراء «المبادرة الخليجية» برعاية سعودية تارةً، أو الأمن الإقليمي والدولي تارة أخرى. لكن الأحداث الأخيرة تظهر أن هذا «الخارج» لم يعد مقبولاً تحت أي عنوان، بسبب الخراب الكبير الذي أحدثه في الداخل اليمني على الصعد كافة، السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية وحتى النفسية.

لم تنشأ الهيئات الدولية للدفاع عن حقوق الشعوب، بل لتأمين مصالح الاستعمار


بدا الوجود المسلّح للقوى المرتبطة بالسعودية وقطر، في المعارك الأخيرة، هشّاً

في هذا السياق، فإن العقوبات التي ينوي مجلس الأمن فرضها على شخصيات يمنية، خصوصاً من قادة «أنصار الله»، تؤكّد ما كان يحذّر منه مؤسس الجماعة السيد حسين الحوثي، وهو أن «الهيئات الدولية لم تنشأ للدفاع عن حقوق الشعوب، بل لتأمين مصالح القوى الكبرى الاستعمارية». وبناءً عليه، كان يدعو عناصر الجماعة إلى تكريس المجهود الذاتي على الأرض وتجاهل دور الهيئات الدولية.
ما يذهل القوى الخارجية ذات النفوذ في الشأن اليمني أنها باتت الآن عاجزة عن التصادم مع «أنصار الله»، أو حتى مجاراتها، وذلك بفعل تعاطي الجماعة بمسؤولية وطنية. كذلك، إن يميّز الحركة الحوثية أنها تعمل بعقل «الدولة» وليس «الجماعة»، وهذا ما يضع كل الأطراف الداخلية والخارجية من الأصدقاء والخصوم في حيرةٍ إزاء هذا الانتقال النوعي المفاجئ في السلوك السياسي.
حيرةٌ بعثت هواجس وشكوك السعودية وحلفائها إلى الحد الذي جعلها مربكة تجاه كل تطوّر جديد على الساحة اليمنية، في وقتٍ جنح فيه الخيال الخصب المطعّم بحسٍّ مؤامراتي لدى بعضهم نحو نسج قصة «مخطط سعودي ـ حوثي» لضرب «أهل السنّة» في اليمن، وليست شائعة لقاء الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي، بندر بن سلطان، مع زعيم «أنصار الله»، السيد عبد الملك الحوثي، أن كان أحد تجليات القلق لدى حلفاء السعودية.
اعتادت الرياض والدوحة وواشنطن وغيرها تقويم الحركة الحوثية بوصفها تنظيماً مسلّحاً مثل بقية التنظيمات المسلّحة في اليمن أو حتى خارجها، ولكن ما فاجأ هذه العواصم أن الحركة تمأسست، وأصبحت تدير اللعبة السياسية بحنكة بعيداً عن انفعالات اللحظة، وهي نأت بنفسها عن ردود الفعل على أعمال استفزازية هنا وهناك.
وعلى عكس الحملة الإعلامية المكثفة التي تديرها قنوات فضائية خليجية كبرى، حافظ الحوثيون واللجان الشعبية عموماً على رباطة جأشهم بهدف «تقطيع» هذه المرحلة، لأن الاستحقاقات المأمولة أكبر من الوقوف عند حملة «التشويش» العابرة، فما يتغيّر على الأرض أكبر مما يتخيله المدبّرون للحملة. وحدهم الخاسرون الإقليميون والدوليون يكابدون ألم الخسارة، فهم يدركون حجم ما أنفقوا في اليمن كي لا يصل أهله إلى هذه اللحظة، وها هم قد وصلوا.
ما يشهده اليمن، اليوم، هو تغيير جذري وشامل يؤسس لمرحلة عنوانها «اليمن لليمنيين»، فيما يصعب العثور على قوة قادرة على عرقلة حركة التغيير. والسبب، ببساطة، هو الإجماع الشعبي، والوعي السياسي المتقدّم للقوى الفعالة على الساحة من كل الأطياف، بالإضافة إلى الإرادة الشعبية الصلبة لمواصلة التغيير واستمرار الثورة حتى تحقيق المنجز السياسي الأكبر، وهو الوصول إلى دولة وطنية بمواصفات يمنية خالصة.
إن أكبر إنجاز حقّقه الشعب اليمني في 21 أيلول الماضي كان «تفكيك» المحاور في الداخل، فلم يعد هناك محور سعودي، وآخر قطري، وثالث أميركي. أصبح اليمن محوراً لليمنيين، وهذا ما أغضب القوى الإقليمية والدولية التي اعتادت أن تجعل اليمن ساحةً مستباحة، لتصفية حسابها أو تأمين مصالحها.
كانت السعودية تستغل فقر اليمن، فتغدق المال على من لا يستحق كي يفعل ما لا يريده اليمنيون، وفي الوعي الجمعي قناعةٌ راسخة بأن السعودية تحقّق أمنها الذاتي عبر تخريب أمن اليمنيين، وإثارة الصراع المتعدّد: السياسي والطائفي والقبلي، بل هناك من السياسيين اليمنيين من لديه قابلية للحاق بالسعودية عبر بوابة «الجاه والوجاهة».
اليوم، ثمة لحظة استقلال وطني حقيقي يعيشها أطياف الشعب اليمني كافة، في وقت تنهار فيه «الكانتونات» الأمنية والسياسية والقبلية المرتبطة بتحالفات خارجية، سعودية وقطرية بدرجة أساسية. في هذا الوقت، يتوارى حلفاء السعودية خوفاً أو تحيّزاً لجولة جديدة من المواجهات من داخل، أو خلف الحدود. أما الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، فقد بقي في اليمن عناداً وتربّصاً، فيما هرب اللواء علي محسن الأحمر، رجل السعودية القوي، إلى الرياض، ليقود مرحلة تخريب البيت اليمني من الخارج.
بعد انهيار «الإمبراطورية السعودية» في اليمن، لم تعد أمام الرياض فرص وافرة، فمن الخارج تواصل حربها الإعلامية والديبلوماسية ضد الحوثيين أولاً والحراك الشعبي ثانياً، وهي أوكلت في الداخل لعلي محسن الأحمر مهمة تفجير الوضع الأمني. كذلك، رصدت الرياض لهذه المهمة مليار دولار، جرى تخصيصها لسلسلة متوالية من التفجيرات في مواقع حسّاسة حكومية، أو مؤسسات ومراكز تابعة لجماعة «أنصار الله»، فيما لفتت مصادر يمنية مراقبة إلى خطة لتفجير صراع طائفي عبر عمليات أمنية تهدف إلى إحداث انقسام داخل الحراك الشعبي الذي يعبّر عن نفسه في الشارع عبر اللجان الشعبية.
في المقابل، لدى «أنصار الله» رؤية واضحة وتدبير احترازي إزاء خطة «التفجير الأمني» المعتمدة سعودياً عبر وكيلها علي محسن الأحمر. وترى الجماعة أن الخطة ترمي إلى إنهاك الجماعة ومشاغلتها بالحوادث الأمنية وتشتيت جهودها وسحبها بعيداً عن الشأن السياسي واستدراجها إلى حيث تكون المواجهة الأمنية. أما في التدبير الاحترازي، وبرغم وجود ثُغَر أمنية واسعة وخطيرة يمكن أن ينفذ منها من أراد باليمن شرّاً، فإن الحركة الحوثيّة كثّفت جهودها في الآونة الأخيرة لملاحقة كل الجيوب التي يخرج منها الإرهابيون، سواء من عناصر «القاعدة» أو «داعش» حالياً، أو العناصر المرتبطة باللواء الأحمر.
في التفاصيل، لاحقت «أنصار الله»، ومعها اللجان الشعبية، خلايا «القاعدة/ داعش» في اليمن، وخاصة في المراكز الرئيسية، وتشهد على ذلك مواجهات مدينة رداع في محافظة البيضاء جنوب شرقي العاصمة صنعاء، التي تضمّ أكبر تجمّع لعناصر متطرفة، وتحديداً حيث يتحصّن قادة التنظيم، ثم تكشف حجم الأخير وقدرته القتالية المتواضعة، ولاذ عناصره بالفرار بعد وقتٍ قصير من المواجهات، وانهاروا سريعاً متخلّين عن عتادهم.
على أي حال، كانت مواجهات رداع الأخطر مقارنة بالمناطق الأخرى التي بدا فيها الوجود المسلّح للقوى المرتبطة بالسعودية وقطر هشّاً، ولم يكن يتطلب سوى عمليات موضعية وسريعة.
في الختام، لا بد من الإشارة إلى أن مقاتلي «أنصار الله»، ومراعاةً لحساسية التقسيم المذهبي في المحافظات اليمنية ومدنها، فضّلوا التعاطي بالعنوان الوطني، ونأوا بأنفسهم عن الانخراط في أي مشكلة قد يفسّر بطريقة غير صحيحة، بل تركوا للسكّان المحليين إدارة دفة الأوضاع بما يعزّز الثقة المتبادلة والاطمئنان إلى سير العملية الثورية، ويحقق الأهداف الوطنية المشتركة.

* باحث وناشط سياسي سعودي