تونس | صار من الواضح أن محاولة قادة التيار السلفي في تونس إنقاذ أنفسهم بالقفز في مركب حركة «النهضة» قبل الانتخابات ذهبت سدىً، فهم تحسبوا من طوفان سياسي يقوّض ما بناه التيار في السنوات الثلاث الماضية، لكنهم كانوا أوائل الغرقى بعد الانتخابات التشريعية.


ويحمل كثيرون في تونس أملهم على أن تكون خسارة «النهضة» بداية تراجع ظاهرة التيارات السلفية بمختلف فرقها، وخاصة أنها حاولت أكثر من مرة فرض تصوراتها، بل مارست العنف ضد بعض السياسيين والأمنيين وحتى الفنانين.
ولم يكتشف «التوانسة» قبل ١٤ كانون الثاني ٢٠١١ أن بلادهم تحتضن مخزوناً كبيراً من السلفيين، توزعوا بين التيار التكفيري، والتيار الجهادي المنقسم بين دعاة إلى «الجهاد» كسيف الله بن حسن، المكنى «أبو عياض»، ومن يرى أن الوقت ليس وقت جهاد بالسلاح ضد الدولة والشعب، ويمثل هؤلاء الخطيب الإدريسي، وهو زعيم ما يعرف باسم «مجلس شيوخ التيار السلفي التونسي» الذي تأسس بعد «ثورة ٢٠١١».
وأخيراً هناك التيار السلفي الذي يقدم نفسه باسم التيار العلمي، بزعامة البشير بن حسن، صاحب فتوى التصويت لـ«النهضة» في الانتخابات الأخيرة. لكن هذه الفتوى لم تُنسِ التونسيين أحداث ثلاث سنوات من «العنف» الذي ذهب بأرواح أكثر من 60 جنديّاً وأمنيّاً، إضافة إلى اغتيالات سياسية. ومع فوز الأحزاب العلمانية الأبرز بـ109 مقاعد (حركة «نداء تونس» و«الجبهة الشعبية» وحزب «آفاق تونس»)، يقدَّر أن المرحلة الماضية في التعامل مع السلفيين ستتغير. انطلاقاً من ذلك، يرى المتخصص في الشؤون الإسلامية، الهاشمي الطرودي، أنّ مرحلة جديدة ستدشّن في العلاقة مع التيار السلفي، بشقيه الوهابي والتكفيري، في تونس. فهو يعتقد أن الذين صوتوا لـ«نداء تونس» كان محرّكهم «الخشية من تنامي ظاهرة الإرهاب وتفكيك الدولة»، متوقعاً أن الحزب سيبني تعاملاً مختلفاً مع التيارات السلفية «التي اتّضح أنه ليس لها دور بارز في المشهد السياسي الحالي»، لأن «الشقّ المهيمن فيها هم التكفيريون والجهاديون».
وربط الطرودي، في حديث مع «الأخبار»، التّزامن بين إخفاق «النهضة» والسلفيين، بما وفرته الأولى من غطاء سياسي وأمني للتيارات السلفية بمختلف فرقها، قائلاً: «هناك أقوال عن توجهات حكومية للعمل على استثمار فقدان التيارات السلفية حاضنتها الشعبية من أجل تضييق الخناق عليها، لكن ذلك لن يكون منفصلاً عن نهج حكومة مهدي جمعة التي ضيقت على التيارات السلفية الخناق، وهو ما استنزفها ودفع بها إلى انشقاق عدد مهم من منتسبيها»، مستنداً بذلك إلى تقرير لمجموعة الأزمات الدولية. كذلك يرى أن المجموعات التكفيرية «لن تستطيع الصمود طويلاً في الحرب التي تخوضها الدولة ضدها منذ 2012، بل سيرتفع نسقها ويتعزز التعاون فيها مع الجزائر قريباً».
هذا التصور لا يتبناه عضو المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، عادل بن عبد الله، الذي يربط مستقبل السلفيين في تونس بمسألتين جوهريتين: الأولى ذات بعد محلي، والثانية لها امتدادها الإقليمي والدولي. ويرى عبد الله، وهو متخصص في الجماعات الإسلامية أيضاً، أن مستقبل هذه التيارات يعتمد على نتيجة التجربة الديموقراطية وإمكانية التعايش السلمي بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس، «فضلاً عن توازنات القوة التي ستحكمها، ومدى نجاح النخب في بناء عقل سياسي توافقي يرسم الخطوط الكبرى للتعاطي الرسمي مع الظاهرة السلفية بشقيها».
ويرفض عبد الله، الذي تحدث لـ«الأخبار»، إغفال تأثيرات الوضع الإقليمي والدولي وتطور الأوضاع في ليبيا خاصة، وأيضاً نتائج الحملة على «داعش» في العراق وسوريا.
مع كل ذلك، يمكن التأكد من أن التيارات السلفية، بمختلف فرقها، فقدت غطاءً سياسياً كان يحميها على مدار ثلاث سنوات حكمت فيها الترويكا، وباتت اليوم أمام مصيرها الذي لن تحول دونه «النهضة» لأنها صارت تبحث عن التجذّر في المشهد السياسي وفق المتغيرات الجديدة.