القاهرة | لا أحد يتذكر اليوم قصة بيومي محمد، العامل الشيوعي الذي أُسقطت عنه الجنسية المصرية في العشرينيات، لكن أحد أحفاده يتذكرها، ويقول ضاحكاً إن جده ورفاقه العمال في مصنع الغزل (الإسكندرية) تلقفوا الأفكار الاشتراكية ونشروها في المصانع والنقابات العمالية، ومنذ ذلك الوقت تفجرت إضرابات تطالب بحقوق للعمال.


صار «العم بيومي» عضواً في الحزب الشيوعي الأول في مصر، لكن حكومة سعد زغلول حلّت عدداً من النقابات ومعها الحزب الشيوعي الوليد، وأسقطت فوراً الجنسية عن بيومي ورفاقه، ثم نفتهم على متن بواخر كانت ذاهبة إلى روسيا البلشفية، لكنه عاد إلى بلاده لاحقاً بعد صدور حكم قضائي بردّ الجنسية إليه وآخرين.
تكاد القصة تتشابه مع ما يحدث مع «المواطن» هشام الشريف (الطيب)، الذي أسقطت عنه حكومة إبراهيم محلب الجنسية المصرية، من دون حكم قضائي، وذلك في السادس عشر من الشهر الجاري. وكانت الدعوى «إقامته الدائمة خارج البلاد وارتباطه بإحدى الهيئات الأجنبية التي تعمل على تقويض النظام الاجتماعي والاقتصادي للدولة».
ولا أحد يعرف، حتى اللحظة، قصة هشام والدولة الأجنبية التي يقيم فيها، أو حجم الضرر الذي ألحقه بالأمن القومي المصري، كذلك غضّت وسائل الإعلام والسياسيون الطرف عن الخبر، وكل هذا مع توارد أخبار أخرى تقول إن المحاكم المصرية تعج بعشرات القضايا التي تطالب بإسقاط الجنسية عن شخصيات مصرية غالبيتها كان لها دور سياسي منذ اندلاع «ثورة يناير».
وتعيد هذه الأحداث والمطالب المصريين إلى قصة أخرى بدأت حينما أسقط الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الجنسية عن ستة معارضين عام 1954، واتخذ مجلس قيادة الثورة آنذاك قراراً بسحب الجنسية عن ستة معارضين إسلاميين اتهموا بـ«خيانة الوطن والإساءة لسمعته في الخارج».
وفي أحداث «30 يونيو 2013»، رفع أحد المحامين دعوى ضد الإعلامي باسم يوسف، وطالب فيها بسحب الجنسية المصرية منه «لأنه أهان عبد الفتاح السيسي (كان وزير دفاع)، لكن الموضوع لقي صدى كبيراً في وسائل الإعلام بين مؤيد ومعارض».
وقبل ذلك، تحديداً في حزيران 2011، طالت كلاً من محمد البرادعي وجمال مبارك المطالبة نفسها، وردّت آنذاك عدة منظمات حقوقية في بيان مشترك بالقول إن «تكرار دعاوى الحسبة السياسية التي تطالب بسحب الجنسية أمر غير مفهوم أو مبرر، لأن الجنسية حق أصيل من حقوق الإنسان ولا يجوز لأي جهة أن تجرد شخصاً من هويته حتى مع ارتكاب أبشع الجرائم، فكيف نسقطها لخلافات سياسية؟».
في ذلك الوقت، رفض القضاء المصري قبول دعوى إسقاط الجنسية عن البرادعي وجمال مبارك، لكن هذا لم يمنع تكرار الأمر ضد قيادات «الإخوان المسلمين»، وتكررت في الأيام الأخيرة مطالب «إسقاط الجنسية» عبر محامين. ومن هؤلاء (المدّعى عليهم) الشيخ يوسف القرضاوي، والقيادي الإخواني صلاح عبد المقصود، وعضو مجلس شورى الجماعة أمير بسام، ومسؤول الشؤون الخارجية في الإخوان عمرو دراج، ونائب المرشد جمعة أمين، فضلاً عن أعضاء شباب في الجماعة.
ويقول قيادي في «تحالف دعم الشرعية»، رفض ذكر اسمه، إنهم يقدرون أن القرار الأخير بإسقاط جنسية «هشام» كان مجرد بالون اختبار، ومقدمة لقرارات مقبلة تستهدف قيادات «الإخوان» وعدداً من الشخصيات المعارضة للسلطة الحالية.
من ناحية قانونية، توضح المحامية، روضة أحمد، أن المشرّع «نظم مسألة الجنسية بعيداً عن السياسة، لكن الأنظمة استغلتها سياسياً، وهي إجراء إسقاط غير جائز بقرار إداري، وهناك رقابة قضائية لاحقة على القرار». وتابعت أحمد لـ«الأخبار»: «هذه عقوبة تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان، والعالم توقف عن هذا الأمر تماماً، لكننا نراه يُستخدم في البحرين وأنظمة رجعية أخرى في المنطقة، كأعنف أداة لقمع المطالبين بالتغيير»، مقدّرة أن القضاء المصري «غالباً سيرفض دعاوى إسقاط الجنسية».
على خط مواز، قال الخبير القانوني، عصام الإسلامبولي، إن «قرار إبراهيم محلب لا خطورة فيه من الناحية القانونية، لأنه يحق لأي مواطن أن يطعن فيه خلال ستين يوماً من نشره في الجريدة الرسمية، وهذا الطعن مضمون قانوناً، كذلك يحق للمواطن المصري التعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق به». وأصّل الإسلامبولي للقضية بتأكيد أن «المواطن الذي حصل على الجنسية المصرية بالميلاد لا يمكن سحب الجنسية منه، ولو ارتكب جريمة خيانة عظمى، إلا بحكم قضائي، أما الذي اكتسب جنسية بلد يعادي مصر، كمن يتجنس بجنسية إسرائيلية مثلاً، فسوف يميل المشرع إلى إسقاط الجنسية المصرية عنه».
في تلخيص المشهد، يرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أحمد بان، أن «المناخ السياسي الموجود يطرح قضايا عبثية من هذا النوع، لكن إسقاط الجنسية عقوبة غير إنسانية، وعبارة الأمن القومي فضفاضة». وأضاف بان: «لا يجوز تجريد مواطن من هويته بقرار من رئيس حكومة يمكن أن يتغير غداً... ندفع ثمن غياب حالة مدنية حقيقية منذ سنوات طويلة».