تشهد تونس يوم غد أهم استحقاق في فترة ما بعد خلع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، يتمثل في إجراء انتخابات تشريعية هي الأولى عقب إعلان دستور جديد (كانون الثاني الماضي)، وتتوج نحو أربعة أعوام من فترة «انتقال ديموقراطي» تعثرت في عدد من المراحل. ومن المفترض أن يفتح الاستحقاق المنتظر على مشهد سياسي جديد، ستتولى أطرافه إدارة عدد من القضايا المصيرية للبلاد، التي ستشهد بعد شهر أيضاً انتخابات رئاسية تقطع بدورها مع رئاسة المنصف المرزوقي المؤقتة.


ويعتبر تشكيل الحكومة المقبلة العنوان الأول لمرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، بحيث ينص الدستور التونسي الجديد في المادة 89 منه على أن رئاسة الحكومة يتولاها «مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب»، وإذا لم ينجح بذلك «يقوم رئيس الجمهورية... بإجراء مشاورات... لتكليف الشخصية الأقدر».
ويفتح النص الدستوري على إشكالية هوية الطرف الذي سيقبض على زمام الحكم في البلاد خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الاستحقاق الانتخابي يقام في ظل تجاذب يوصف بالحادّ بين قطبين يمثلان في خلفيتهما انقساماً عمودياً عرفه المجتمع التونسي منذ عام 2011: «حركة النهضة» (توجه إسلامي) و«نداء تونس» (يتزعمه الباجي قائد السبسي، يوصف بالعلماني ويضم وجوهاً من النظام السابق). ويتنافس هذان القطبان ضمن مجال سياسي يشهد عودة عدد من رموز نظام بن علي، الذي مثل في بعض وجوهه استمرارية لحكم مؤسس الجمهورية التونسية الحديثة الحبيب بورقيبة، ووسط تشتت قوى المعارضة التقليدية التي صاغت الإرهاصات الأولى للحراك الذي أطاح بدايةً شخصَ بن علي. وتعتبر شخصيات مثل نجيب الشابي وحمة الهمامي أبرز وجوه تلك المعارضة.

المعارضة «لم تأخذ
العبرة» من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي

ويرى الباحث خالد عبيد، المختص في تاريخ تونس المعاصر، أن المعارضة في تونس «لم تأخذ العبرة» من انتخابات «المجلس الوطني التأسيسي» (23 تشرين الأول 2011) التي فازت فيها «حركة النهضة» بحصولها على 89 مقعداً من أصل 217. ويقول الباحث، في حديث إلى «فرانس برس»، إن هذه الاحزاب تعاني من «نقص في الوعي بحساسية المرحلة الحالية وأن تشرذمها يخدم حركة النهضة». ويشير في هذا السياق إلى «نرجسية» أحزاب المعارضة العلمانية، إذ «يرى زعيم كل حزب نفسه في السلطة».
وتجري الانتخابات تطبيقاً لخريطة طريق ناتجة من حوار وطني أقيم نهاية العام الماضي لإنهاء أزمة عصفت بالبلاد في ظل حكومتي «النهضة»، في فترة شهدت خلال أقل من عام اغتيال المناضل السياسي شكري بلعيد وعضو «التأسيسي» محمد البراهمي.
ويتخوف المتابع للشأن التونسي من أن تؤكد انتخابات الغد حال القطبية ضمن المشهد السياسي، لتدخل البلاد في أزمة جديدة سيكون عنوانها البحث عن «التوافقات الوطنية». وواظب أخيراً زعيم «النهضة»، راشد الغنوشي، على إعطاء إشارات صريحة بأن حركته «هدفها حكومة وحدة وطنية موسعة»، وأعلن بنحو مفاجئ أنه لا مانع لديه حتى من مشاركة رموز من النظام السابق، في مواقف لا يمكن تحديد مبتغاها إلا من خلال التجربة، خصوصاً أن الحركة عُرفت خلال الأعوام الثلاثة الماضية بنوع من البراغماتية السياسية التي أربكت خصومها فعلياً، وقد تكون سمحت لها بتوسيع قاعدتها الشعبية.
العنوان الثاني الذي سيميز حكماً المرحلة المقبلة هو العلاقة الناشئة في ظل الدستور الجديد بين قصور السلطة الثلاثة في البلاد (قرطاج ـ الرئاسة، القصبة ـ الحكومة، باردو ـ البرلمان)، خصوصاً أن النص الدستوري المُعتَمَد تطبيقاً أيضاً لخريطة طريق الحوار الوطني، أدخل تعديلات مفصلية على النظام السياسي الرئاسي الذي لطالما عرفته البلاد منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وشدّد من تداعياته على الداخل التونسي الحكم السلطوي المتنامي في ما بعد.
عموماً، شكّل اعتماد الدستور، وإن جاء ذلك بعد نحو عامين على انتهاء المهلة المحددة للسلطة التأسيسية، قطيعة مهمة ضمن الحياة السياسية التونسية. ويرى الأكاديمي التونسي، حمادي الرديسي، أن اعتماد الدستور اكتسب أهمية لجهة آلية اعتماده ولجهة المضمون. يعتبر أن جدلية نشأت ما بين أطراف المجتمع المدني (راعية الحوار الوطني الأخير) وأعضاء السلطة التأسيسية. ويشير الرديسي إلى أن ذوي التوجهات الإسلامية تنازلوا في نهاية الأمر بشأن عدد من النقاط الإشكالية، عن قناعة أو لا، ما جعل آلية اعتماد الدستور «توافقية». حقيقة اهتمام الرديسي بمبدأ التوافق برغم إقراره بأن لذلك مخاطر على الحياة السياسية قد يفسرها ما كان يراه هو، وآخرين من الباحثين عموماً، من انقسام، ضمن المجلس التأسيسي: الأول سياسي بين غالبية ومعارضة، والثاني يتمثل بالقطبية الثقافية بين «محافظين وعلمانيين». برغم ذلك، يقر الباحث التونسي، في أحد اللقاءات الصحافية الأخيرة، بأنّ النص الدستوري تضمن «فصولاً فضفاضة»، وأن بعض الازدواجيات ذات الطابع الثقافي أنتجت نصاً «هجيناً يحتمل عدة تأويلات»، في عدد من فصوله.
وسيكون من المفيد خلال المرحلة المقبلة على تونس متابعة آليات التعمال مع الدستور ضمن المشهد السياسي المتجدد، فاستطراداً «ليست الإشكالية لبلد ما في وجود دستور كامل (أو ممتاز) من الناحية الحقوقية (أو القانونية) أو في البحث عن إرساء ديموقراطية مثالية، بل هي في إيجاد نظام يستطيع أن يواجه الصعوبات الفعلية، وأن يحفظ الأمن عبر توفير إجماع يشجع على خلق الحلول للصراعات التي تنشأ حتماً (أو لا محالة) في كل مجتمع».
وتتميز انتخابات الغد أيضاً، وما يليها من انتخابات رئاسية، بأنها «تختبر الانتقال من الاستبداد للديموقراطية» (كما عنونت وكالة «رويترز» العالمية). لكن في الأساس لا يزال الجدال قائماً في تونس بشأن مسألة انتهاء المرحلة الانتقالية أو بعد. وفيما قد يكون من المبكر الحكم بشكل قطعي على مسيرة «الانتقال الديموقراطي» في تونس، يقول الباحث، مايكل العياري، في حديث صحافي: «يجب أن نعرف ماذا يعني النجاح، هل يعني ديموقراطية صورية صغيرة؟». ويضيف: «هل تسير تونس نحو (سيادة) دولة القانون... وتتمكن بالتالي من تحقيق نمو (اقتصادي) محترم ومن توسيع نطاق الطبقة المتوسطة دون اللجوء الى الاستبداد؟ هذا سيكون نجاحاً!». وللإشارة، يذهب آخرون، مثل الباحث، أنتوني دوركين، إلى أن «ترسيخ ديموقراطية ناجحة في تونس قد يكون إشارة قوية إلى أن الإصلاح السياسي والتعددية ليسا محكومين بالفشل في العالم العربي دائماً»، في حكم يحتاج إلى نقاش طويل.
ويلقي مايكل العياري في حديثه الضوء على أهمية المعطى الاقتصادي ضمن أدبيات عمليات «الانتقال الديموقراطي»، في وقت أن تونس تشهد أوضاعاً اقتصادية حساسة، وقد فتحت «حكومة التكنوقراط» الحالية الأبواب واسعاً أمام المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، والأخطر، أمام برامج إعادة الهيكلة الاقتصادية. ويشرح مثلاً تقرير صدر الشهر الحالي عن «صندوق النقد الدولي» أولويات السياسات الاقتصادية الواجب اتباعها من قبل الحكومة المقبلة، مثنياً في الوقت ذاته على أداء حكومة مهدي جمعة، الأمر الذي يشير إلى أن إدارة السياسات الاقتصادية للبلاد ستكون عنواناً بارزاً خلال المرحلة الآتية.
وتحضر الانتخابات التشريعية، في وقت تواجه فيه البلاد واقعاً إقليمياً مضطرباً، في ظل ارتفاع المخاوف الداخلية من تنامي التهديد الإرهابي، فيما تسعى دول عربية، إمارة قطر أولها، ووسائل إعلامها الراعية لـ»النهضة» ولحلفائها، إلى خطف التجربة التونسية. ويزيد ذلك من إشكاليات المرحلة السياسية المقبلة على البلاد، خصوصاً أن قادة تونس الجدد يعرفون جيداً، كما يقول البعض، أن حكم بلادهم بات مرتبطاً بشكل حساس وموضوعي بالساحة الجزائرية الداخلية، في مشهد قد يشبه إلى حد بعيد العلاقة الشائكة التي كانت قائمة في سبعينيات القرن الماضي بين لبنان وسوريا.
بناءً على ما تقدم، ليست الانتخابات التونسية هامشية في الواقع العربي، بل في صلبه. فهي ترسم حدود الواقع الديموقراطي في ذلك الفضاء، حتى أنها في قلب الصراع القائم لمنع بعض القوى العربية «الرجعية» من خطف مسارات البناء الديموقراطي في عالمنا.
اختصاراً، سيتجه يوم غد نحو خمسة ملايين ناخب محتمل للاقتراع، وبانتظار النتائج ومآلات الأمور، جدير بنا، تقديراً لذلك البلد ولمناضليه، أن نواكب مساره المتميز بترديد بعض من نشيده الوطني: «لك المجد يا تونس فاستمجدي».





استثمار الإسلاميين في «الاعتدال»

في ظل غياب الخطاب الموحد لأطراف المعارضة التونسية التقليدية، يستثمر ذوو التوجهات الإسلامية في رفع راية التحذير بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، كما في بقية الدول العربية.ورأى راشد الغنوشي، في مقابلة أجراها خلال الأسبوع الحالي مع «فرانس برس»، أن «نجاح التجربة التونسية، هو مصلحة دولية، خاصة في مواجهة التطرف ومواجهة داعش وأمثالها، لأن النموذج التونسي هو البديل لنموذج داعش». وتابع: «من أفضل الطرق لمحاربة الإرهاب، هو نشرُ الإسلام المعتدل، لأن الإرهاب يستند إلى تفسير متطرف للإسلام. ولذلك نحن جماعة النهضة، الأقدر على مقاومة الإرهاب، لأننا نحن نقاومهم على أرضيتهم». ومضى يقول: «نحن نعتمد على المرجعية الإسلامية لمقاومة هؤلاء، ولإظهار أن تفسيرهم للإسلام خاطئ ومفهومهم للجهاد خاطئ، وأن ما يمارسونه من قتل لا علاقة له بالجهاد، بل هو إرهاب وإجرام».
(الأخبار)