مهّد التدخل العسكري الخارجي في ليبيا، قبل ثلاث سنوات، تحت راية ما سمي «الربيع العربي»، لتسلّم القوى المحلية مهمة تمزيق البلاد إرباً في سبيل حصولها على الشرعية، التي ما لبثت أن استحقتها الفوضى عن جدارة وبشكل رسمي، خلال الصيف الماضي.


المرحلة الانتقالية التي كان من المفترض أن تنتهي بانتخاب برلمان جديد في 25 حزيران، كانت مسلكاً أمام انقسام السلطة بين حكومتين وبرلمانين، يتصارعان في ما يشبه الخلط المتكرّر للأوراق، الذي يفضي في النهاية إلى «ورقة رابحة»، يمكن أن تتربع على عرش من الدمار والخراب، سببته اليد التي اختارتها. العرض لا يزال مستمراً، تشجعه وتراقبه قوى خارجية متنافسة على النفوذ في المنطقة وفي البلد الأفريقي، لما يشكله من أهمية استراتيجية. تعلو نبرة إحدى الدول «الصديقة» في وقت من الأوقات، تروّج لإحدى الأوراق التي لا تلبث أن تخسر أمام أخرى اختارتها قوة خارجية منافسة، الأمر الذي يمنح الوضع «الشاذ» استمرارية في إذكاء نار الفتنة، إلى أن تظهر حكمة ما تضع حداً لهذه الدوامة، أو حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.
رغم الشرعية الدولية التي مُنحت لحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن برلمان طبرق (شرقاً)، إلا أن ذلك لا يعطي المبرر للترويج لدعم عسكري خارجي، كأحد أحدث الفصول المطروحة على طاولة المناورات المتعاقبة التي تحرك الأزمة الليبية. وإن كان من نتائج مرتقبة لذلك على المدى القريب أو البعيد، فقد تتمثل بمرحلة جديدة ربما تكون أكثر سخونة، ولكنها بالتأكيد لن تضع حداً للأزمة.
فحكومة عمر الحاسي التابعة لـ«المؤتمر الوطني العام» (طرابلس) كما حكومة عبد الله الثني، ترتبط على الأرض وفي الميدان، بميليشيات فاعلة وقوية. الأولى وجهها العسكري قوات «فجر ليبيا»، بينما الثانية تدعمها «عملية الكرامة» بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر. أضف إلى ذلك، أن كلاًً من الحكومتين تساندهما قوى خارجية تحركها مصالح أمنية أو استراتيجية أو حتى إيديولوجية. فمصر والإمارات تدعمان برلمان طبرق والحكومة المنبثقة عنه، بينما تدعم كل من قطر والسودان وتركيا «المؤتمر الوطني العام» الذي آثر الإسلاميون إحياءه بعدما خسروا الغالبية في البرلمان المنتخب في حزيران.
وهؤلاء منذ الانتخابات الأولى بعد سقوط الرئيس الراحل معمر القذافي، على عكس التنظيمات الرديفة والتابعة لـ«الإخوان المسلمين» في الجارتين تونس ومصر، لم يتمكنوا في ليبيا من الحصول على الغالبية. ففي تموز 2012، فاز حزب «العدالة والبناء» الذراع السياسية لـ«الإخوان» بـ10.2 في المئة من التصويت على مقاعد «المؤتمر الوطني العام»، ليأتي في المرتبة الثانية بعد «تحالف القوى الوطنية» الذي فاز بـ 48 في المئة من الأصوات. أما انتخابات البرلمان الجديد في 25 حزيران الماضي، فقد شهدت فوزاً للتيار الليبرالي ممثلاً بـ«تحالف القوى الوطنية».
التدخل الخارجي الذي يروّج له اليوم باللهجة المصرية، عقب زيارة الثني القاهرة ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي ومسؤولين مصريين، سبقه آخر باللغة الفرنسية. كما تقدّم كل ذلك، اتهامات لمصر والإمارات بشن غارات على قوات «فجر ليبيا» التي استولت على مطار طرابلس بعد معارك عنيفة مع ميليشيا الزنتان المدعومة من حفتر.
وعندما لمح وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان في مقابلة مع صحيفة «لو فيغارو»، خلال الشهر الماضي، إلى إمكانية قيام بلاده والأسرة الدولية بعمل عسكري في ليبيا، عقّبت الصحيفة نفسها على ذلك بمقابلة مع مؤلف كتاب «في قلب ليبيا القذافي» باتريك حايمزاده، الذي كان ضابطاً في سلاح الجو الفرنسي ودبلوماسياً في طرابلس بين عامي 2001 و2004. وفي ما يمكن أن يكون تأكيداً لفشل أي تدخل خارجي في ليبيا في حال حصوله، أشار حايمزاده، حينها، إلى أنه «بالإضافة إلى العواقب المأسوية لتدخل عسكري جديد في ليبيا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو حول إطار هذا التدخل، وكيف يتم؟ وبأي تفويض؟ وبطلب مِن مَن؟»، وإن كان هذا التدخل، وفق حايمزاده، «رداً على طلب من برلمان طبرق، فيجب الأخذ في الاعتبار أن هذا البرلمان تم انتخابه، من قبل أقل من 10 في المئة من الليبيين».
وأيضاً، اعتبر حايمزاده أنه ينبغي تحديد الغرض من تلك الخطوة، «لأنها في النهاية عملية تدخل في حرب أهلية، يجب اختيار العدو فيها ودعم جانب ضد آخر». كما أن أي تدخل عسكري سيؤدي إلى مشاكل كثيرة لا يمكن حلّها، وفي هذا الإطار، قال الكاتب الفرنسي: انظروا إلى نتائج أعمالنا في عام 2011.
انطلاقاً من هذا الواقع، يبقى هناك من يرى أن الحل هو بالحوار والوساطة، مع ما يحمله من نتائج غير مضمونة أو حتى من عدم نجاح. ومن هؤلاء، إضافة إلى حايمزاده، الباحثان فريديريك ويهري ووولفرام لاشر اللذان اعتبرا أنه في الوقت الذي تسعى فيه الأمم المتحدة وجهات أخرى إلى المساعدة في حلّ الأزمة في ليبيا، يجب أن يأخذوا في الحسبان ثلاث ضرورات مهمة. الأولى والأهم هي «تجنّب منح الشرعية لجانب واحد على الآخر، من خلال عبارات التأييد لمؤسسات الدولة أو الهيئات المنتخبة». كما أنه «ينبغي على المجتمع الدولي أن يطالب ويفرض حظراً على أي تدخل خارجي في النزاع في ليبيا، وعلى وجه الخصوص من قبل مصر والإمارات العربية المتحدة»، إضافة إلى أنه «يجب على الأمم المتحدة تجميد أصول بنك ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية، للنفط من أجل تحقيق ضغط مالي أكبر على كلا الجانبين كي يأتيا إلى طاولة المفاوضات ويقوما بتشكيل حكومة شاملة موحدة».