دمشق | يفترش الحاج أبو فراس (58 عاماً) رصيفاً في شارع الثورة في دمشق. لا يحتاج إلى طاولة عرض أو بساطٍ على الرصيف، فكل ما يعرضه للبيع هو سلة غذائية ممهورة بشعار منظمة الهلال الأحمر السوري. يؤكد أبو فراس أنه منذ أن بدأ ببيع معوناته، سمع المئات من التعليقات والشتائم: «يمرون من جانبي ويتهمونني بأني أستغل الوضع أو أمنع عائلتي من المعونات لأجني الربح، بينما أبيع معلبات السلة الغذائية كي أؤمن جزءاً من إيجار المنزل». تفضل عائلة أبو فراس الجوع تحت سقف المنزل على تناول معلبات السلة الغذائية في إحدى مدارس اللجوء.


في الشارع ذاته يمكنك أن ترى الكثيرين ممن يبيعون حصصهم الغذائية، في محاولة لتبديلها بحاجاتٍ أخرى. فالمشكلة هنا أن المعونات متنوعة إلى حدٍ كبير، وتعتمد مبدأ «كمية قليلة من سلع متعددة»، فيما تفضل العائلات الحصول على كمية أكبر من الأرز، على سبيل المثال، عن طريق بيع علب الذرة والفول والشاي الأقل استخداماً.
يفضل أغلب هؤلاء بيع «بضاعتهم» بأنفسهم هرباً من جشع التجار واستغلالهم، حيث يصل متوسط سعر السلة الغذائية إلى 20.000 ليرة سورية (حوالى 120 دولاراً أميركياً)، فيما يشتريها التجار من العائلات بأقل من 8.000 ليرة (50 دولاراً)، ليصل ربح التاجر إلى أكثر من 100% بعد رفع سعر البضائع حتى عن السعر النظامي. وبحثاً عن ربحٍ أعلى، عمد التجار إلى تشكيل شبكات لشراء السلل الغذائية بالقرب من مراكز الإيواء والمعونات.


عمد التجار إلى
تشكيل شبكات لشراء
السلل الغذائية بالقرب من مراكز الإيواء


وفي جولة سريعة في شوارع دمشق، يمكن أن ترى متاجر العاصمة متخمة بالسلع غير المخصصة للبيع، في غياب تام للرقابة الحكومية على التجار، حيث تؤكد مصادر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أن القصة أكبر من أن تتحملها الوزارة. وباختصار، فإن «عدد المراقبين لدينا قليل جداً مقارنة بالحالات التي تنبغي مراقبتها». وتشير المصادر إلى أن المشكلة «لا تقتصر على الطريقة غير الشرعية في بيع السلع الغذائية، بل تصل إلى حد مصادر التصنيع المجهولة لتلك السلع، والتي قد تكون غير صالحة للاستهلاك البشري».
في المقابل، ينفتح الباب على فساد المسؤولين وبعض العاملين في الجمعيات الإغاثية الرسمية والخاصة في دمشق. يقوم معظم هؤلاء بإضافة أسماء عائلات وهمية على جداول توزيع المعونات الإنسانية، ليجري بيع هذه الحصص بالتعاون غالباً مع بعض تجار العاصمة. أما الباب الثاني للفساد فيتجلى في الامتناع عن تقديم إحدى مواد المعونات الإغاثية، واللجوء إلى بيعها من دون إعلام الناس بأن المادة موجودة ضمن المساعدات أصلاً. يؤكد أحد الأعضاء السابقين في لجنة حيّ الأمين في دمشق أنه كان يصل إلى اللجنة كل المعونات «فكان أعضاؤها ومسؤولوها يقتصرون على توزيع المواد الغذائية والأموال، ويبيعون الفرش والحرامات والمعونات الأخرى أو يوزعونها على أقاربهم».
ولم تكن حال السوريين اللاجئين في دول الجوار أفضل من وضعهم في الداخل، حيث تشير التقارير إلى أن شبكات من التجار الأردنيين تدخل أسبوعياً إلى مخيم الزعتري لشراء المعونات الخاصة باللاجئين السوريين وبأسعارٍ منخفضة، إذ تلجأ عائلات مقيمة في المخيم إلى بيع بعض مخصصاتها الغذائية للحصول على أموالٍ تمكنها من شراء سلعٍ أخرى، لا سيما بعد افتتاح عدد من متاجر الأغذية والألبسة المستعملة داخل المخيم.

جمعيات «ثورية» نصف إغاثية!

لا يبدو الوضع الإغاثي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة أفضل حالاً من أحياء العاصمة، حيث حيلة الفساد في «المناطق المحرَّرة» أقوى وأصلب. والغطاء «الشرعي» الذي تضفيه جمعيات الإغاثة على عمليات النهب الكبيرة لا يترك مجالاً للاعتراض الشعبي أو الشكوى. يأتي في هذا السياق الفضيحة التي طالت «جمعية الفاروق الخيرية» الموكلة بتوزيع المعونات على مدنيي الغوطة الشرقية: في آذار العام الحالي، ارتفعت أصوات أهالي حرستا، بعد انكشاف حجم المفقود بين المعونات الواردة إلى الجمعية وتلك الموزعة على الناس. يؤكد الناشط همام الأحمد (اسم مستعار) لـ«الأخبار» أن «الفاروق عمدت إلى توزيع نصف الحصة المحددة لكل عائلة، وعند اعتراض أهالي المدينة خرج علينا شيخ حرستا، أبو حسان الضوبع، بفتوى جهنمية، تحلل للجمعية اقتطاع نصف المعونات وبيعها لتأمين حاجات لوجستية عسكرية». ويتساءل الأحمد: «في كل المواقف، كان القادة العسكريون ينفون وصول أي أموال من الجمعيات إليهم، ما يؤكد أن حالات فساد باتت تنخر الجمعيات بشكل كامل. وعند هذا لا يبدو مستغرباً أن يعيش مسؤولو الجمعية والشيوخ المقربون منهم في حالة تخمة، بينما ينتظر أهالي حرستا أنصاف المعونات كل شهر».