بغداد | تمخّضت أسابيع من الجدل والحوار والمعارك السياسية والتصريحات المستعرة حول اسم رئيس الحكومة عن انتقاء مرشح «التوازنات السياسية»، حيدر العبادي، الذي لم يكن اسمه مطروحاً إلا منذ وقت قريب، في أروقة منزل رئيس «الائتلاف الوطني» إبراهيم الجعفري.

ظهر اسم العبادي الذي كان النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن «دولة القانون»، بعد إصرار «دولة القانون» على تنفيذ الاستحقاق الانتخابي، باعتبارها الكتلة الفائزة في انتخابات 30 نيسان الماضي.
وفي أول تصريح له، دعا العبادي العراقيين إلى «التوحّد ضد الحملة الهمجية التي يشنّها مسلّحو (الدولة الإسلامية)».
وقبيل اختياره ببضع ساعات، كتب على صفحته عبر موقع «فايسبوك»، إن «الوضع الأمني في بغداد مستقر جداً، وهناك تحركات لقطعات عسكرية لزيادة حماية العاصمة، بسبب قرب تسمية مرشح رئاسة الوزراء»، مضيفاً أن «الوقت المحدّد لتكليف رئيس وزراء جديد تم تمديده إلى الساعة الثالثة بعد ظهر الاثنين، والتحالف الوطني على وشك اختيار مرشّح مقبول».

ولد حيدر جواد العبادي عام 1952 وترعرع في منطقة «الكرادة الشرقية» في بغداد. درس الدكتوراه والماجستر في «جامعة مانشستر» في بريطانيا، على نفقته الخاصة، وحصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة الإلكترونية والكهربائية في عام 1980، بعدما كان قد حاصل على شهادة البكالوريوس من الجامعة التكنولوجية في بغداد في الهندسة الكهربائية في عام 1975.
كان له حضور بارز في معارضة النظام البعثي في الخارج. وشارك في نشاطات المعارضة، كما ساهم في المؤتمرات الوطنية للمعارضة التي شارك فيها حزب «الدعوة الإسلامية». وفي عام 1983 تم سحب جواز سفره بأمر من رئاسة مخابرات النظام بتهمة ممارسة نشاط معاد لنظام البعث، حسب الوثائق التي عثر عليها.
تولى مسؤولية التحدث باسم حزب «الدعوة الإسلامية» في بريطانيا والخارج، خصوصاً لوسائل الإعلام العالمية، حيث هاجم نظام البعث وأدانه. كذلك دافع عن الشعب العراقي ورفض الحصار المفروض عليه.
العبادي ليس إلا رفيق درب قديم لسلفه نوري المالكي في حزب «الدعوة الإسلامية» الذي يتزعمه المالكي نفسه. وبرز بعد عام 2003 كأحد أبرز قيادييه.


حرص العبادي
دائماً على إبداء آراء ودّية وقريبة من مواقف طهران بخصوص العراق



يعرف العبادي بوسطية مواقفه، كما اشتهر بعلاقاته الواسعة بكافة الأطراف السياسية، خصوصاً أقطاب «المجلس الأعلى الإسلامي» بزعامة عمار الحكيم و«التيار الصدري» بقيادة مقتدى الصدر الذي أجرى اتصالاً عاجلاً به لتهنئته ودعوته إلى «التنسيق».
وعلى مستوى التفاهم والحوار، يعتبر العبادي بالنسبة إلى أطراف «الائتلاف الوطني» شخصاً مناسباً بسبب علاقاته الإيجابية، إلا أنه بالنسبة إلى الأطراف السياسية من خارج «الائتلاف»، لا سيما الأكراد، لا يعدو كونه «محل اختبار» في توجهاته ونياته ومعالجته للقضايا الشائكة، خصوصاً أنه ينحدر سياسياً من «ائتلاف القانون» نفسه الذي يضم القوى التي تمسكت بولاية المالكي الثالثة طوال الفترة الماضية.
يؤسّس اختيار حيدر العبادي كرئيس للوزراء لترميم علاقات «ائتلاف القانون» مع أطراف سياسية من داخل «الائتلاف الوطني» ومن خارجه، والتي كانت قد اهتزت جراء التجاذبات السياسية الضارية حول الولاية الثالثة للمالكي.
ومع أن تكليف العبادي برئاسة الوزارة يمثّل انتصاراً معنوياً للأطراف السياسية التي عارضت الولاية الثالثة، إلا أن واقع الحال يفيد بأن رئاسة الوزراء لم تخرج عن سطوة «ائتلاف القانون» الذي يرى في المنصب حقاً له تفرضه الاستحقاقات الانتخابية والدستورية.
وعلى هذا الأساس، يرى السياسيون الذين خبروا العبادي أنه متعصّب لحزب «الدعوة» وأفكاره، ولا يختلف كثيراً عن رؤية المالكي للكثير من القضايا السياسية التي تعصف بالبلد، معتبرين أن اختياره لم يكن إلا استجابة لدعوات التغيير، خصوصاً تلك الصادرة عن المرجعية الدينية العليا التي نادت بعدم التشبّث بالمناصب.
من جهة أخرى، وفي ما يتعلق بسياسته الخارجية، يشير سياسي عراقي رفض الكشف عن اسمه إلى أنه حتى لو كانت إيران تحبّذ بقاء المالكي بسبب الظروف الأمنية والسياسية، إلا أن هذه الأخيرة لم تعترض على اختيار العبادي الذي حرص دائماً على إبداء آراء ودية وقريبة من مواقف طهران بخصوص العراق، إضافة إلى أنه كان من أبرز الدعاة إلى توثيق العلاقات معها.
وفي الإعلام العراقي، هناك القليل من الحديث عن العبادي، في ظل تكتّمه وعدم الظهور، غير أن الذين خبروه لا يضنيهم الكلام عن رجل «موضوعي» و«عمليّ».
وفي هذا الإطار، يقول العارفون بالعبادي إنه يكره «النجومية»، لكنه يجيد تبادل أطراف الحديث في السياسة ويطيل في ذلك، مشيرين في الوقت ذاته إلى أنه سيفتقد الحزم الذي عُرف به المالكي، ولكنه سيسعى إلى سياسة توافقية.
وإذا كان البعض يرى أن هذا هو المطلوب، اليوم، في الرئيس الذي يقود بلاداً تسيطر عليها الخلافات والاضطرابات، فإن أطرافاً سياسية ترى أن ذلك سيجعل منه رئيساً ضعيفاً أمام إرادات الأطراف السياسية، الأمر الذي سيؤدي إلى إبطاء وتيرة مكافحة الإرهاب.