عدن | صنعاء | في حادث هو الأول من نوعه، يمثل تطوراً خطيراً في نهج تنظيم «القاعدة» في اليمن، أعدم التنظيم 14 جندياً يمنياً ذبحاً بالسكاكين مساء الجمعة الفائت في حضرموت جنوب البلاد، 13 منهم من مدينة عمران في الشمال. وفيما اعتاد اليمنيون أخبار خطف الجنود للمطالبة بفدية مالية، جاءت هذه الحادثة كسابقة لم يشهدها اليمن يوماً.


تلت الحادثة التي هزّت المنطقة، واليمنيين عموماً، زيارة وزير الدفاع محمد ناصر أحمد لمدينة سيئون التي دارت فيها معركة بين الجيش ومسلحي «القاعدة»، بالتزامن مع المعارك في مدينة القطن. ويبدو أن ذبح الجنود يمثل ردّاً على المعارك التي أدت إلى مقتل وأسر نحو 18 عنصراً من «القاعدة» وأسر مجموعة أخرى، الخميس الفائت.
وبحسب مراقبين، فإن طريقة إعدام الجنود من خلال ذبحهم في مكان عام والافتخار بذلك، مؤشر على تحول كبير وخطير في نهج «القاعدة» في اليمن، وهو يشير ربما إلى بدء اعتمادها أساليب تنظيم «داعش» الشهيرة بذبح الجنود النظاميين.
شاهد عيان كان على متن باص النقل الجماعي الذي خطف الجنود منه، قال لـ«الأخبار» إن جنوداً من اللواء 153 مدرع كانوا ضمن المسافرين من حضرموت إلى صنعاء، بلباس مدني حاملين أسلحتهم الشخصية، حيث استوقفهم مسلحو «القاعدة» في إحدى النقاط وفتشوا بطاقات الركاب، ثم أنزلوا الجنود من الحافلة وأخذوهم إلى جهة مجهولة. وأضاف الشاهد أن القيادي في «القاعدة» جلال بلعيدي صعد إلى الباص وخطب في الركاب «معتذراً» لهم، وقال إن «هؤلاء الجنود روافض أنجاس تركوا الحوثي يستبيح الشمال وأتوا لقتال أهل السنّة في الجنوب»، مضيفاً: «نحن هنا للدفاع عن أهل السنّة وحماية الشريعة الإسلامية». ومضى الشاهد قائلاً: «ثم غادر الباص وواصلنا السفر إلى صنعاء وهناك استقبلتنا الاستخبارات العسكرية لتخبرنا أن مسلحي القاعدة ذبحوا الجنود».
سكان محليون من أبناء منطقة حوطة في حضرموت، قالوا إن مسلحي «القاعدة» أحضروا جنوداً من الجيش إلى السوق العام في المدينة وربطوهم ثم ذبحوهم بالسكين واحداً تلو الآخر.
وعززت هذه الأخبار، صورٌ ومقاطع فيديو جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، جاءت صادمة ومرعبة، حيث ظهر مسلحو «القاعدة» بلباس محلي يمسكون بالجنود ويذبحونهم بالسكين كالخرفان على وقع التكبيرات والهتافات.
وبرغم نداءات الاستغاثة التي أطلقها الجنود مثل «نحن مسلمون» و«لدينا أطفال»، جرى ذبحهم واحداً تلو الأخر، في جريمة روّعت كل من شاهد الصور ومقاطع الفيديو التي جرى تداولها في الأيام الماضية، على نطاق واسع.


الحادث لم يلقَ
اهتماماً حكومياً
ولم تُعلن حالة
الحداد الرسمية


الحادث المؤلم لم يلقَ اهتماماً حكومياً، إذ لم تُعلن حالة الحداد الرسمية في البلاد، بل سارت الحياة بصورة طبيعية. إذ لم تقطع التلفزيونات المحلية برامجها، ولم تضع حتى إشارة سوداء على شاشاتها. فيما انتظرت وزارة الدفاع يوماً كاملاً كي تصدر بياناً تستنكر فيه «الجريمة الشنعاء والوحشية»، مؤكدةً أن الجناة سيلاحقون عاجلاً أو آجلاً «إلى كهوفهم المظلمة حتى يُضبطوا ويُقدّموا للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع». لكن هذا الاستدراك لم يمنع إثارة أسئلة كثيرة تدور حول الآلية التي تتخذها قيادة القوات المسلحة لتأمين خطوط عودة الجنود إلى أهلهم في الإجازات الاعتيادية، وخصوصاً أن مواجهة الجيش مع «القاعدة» في منطقة حضرموت، لم تحسم نهائياً. لكنه تساؤل لقي رداً سريعاً من مصدر مسؤول في المنطقة الأولى في حضرموت، أكد فيه أن الجنود الضحايا قد خرجوا من دون علم قيادتهم، وأنهم كانوا لا ينوون العودة إلى الخدمة بحكم الطريقة التي تسربوا بها من داخل معسكرهم.
من جهته، أدان مصدر في الحكومة التي لا يزال رئيسها يقضي إجازته الخاصة في مدينة أبو ظبي، «الجريمة النكراء»، مشيراً إلى أن الحكومة «لن تثنيها تلك الأحداث الإجرامية عن تطهير البلاد من جميع البؤر والعناصر الإرهابية الظلامية التي تضرّ بأمن البلاد واقتصادها، وذلك للمضي بعزم وخطى ثابتة وواثقة نحو المستقبل». مع ذلك، ظلّت تساؤلات عدّة بلا إجابات، أولها عن الدافع الذي أدى إلى اتخاذ قرار تعيين اللواء الركن عبد الرحمن الحليلي قائداً للمنطقة العسكرية الأولى، في هذا التوقيت الذي يشهد احتقانات طائفية. بالإضافة إلى إرسال جنود من مناطق شمالية كانت جماعة الحوثي مسيطرة عليها، وتوزيعهم بعد الاتفاق الذي حصل عقب الانتهاء من المواجهات المسلحة بين جماعة الإخوان المسلمين و«أنصار الله» الحوثيين، فيما ينحدر 13 منهم من عمران، منطقة الحوثي نفسها.
الصحافي سمير الصلاحي علق على ذبح الجنود في حضرموت، بالقول إن «ما حدث له ارتباط واضح بقوى نافذة في صنعاء، اختارت الضحايا بدقة لجرّ البلد لفتنة طائفية تأكل الأخضر واليابس للحفاظ على ممتلكاتهم ونفوذهم الذي يتقلص يوماً بعد آخر نتيجة لعدة ضربات موجعة قام بها الرئيس الانتقالي لتحرير نفسه والبلد من قبضتهم». وأضاف الصلاحي أن «الذبح بالسكاكين كان متعمداً ومدروساً، في رسالةٍ واضحة أراد فيها مسلحو القاعدة تأكيد ارتباطهم بتنظيم «داعش» الذي يستخدم هذه الطريقة الوحشية في قتل معارضيه». ويشير الصلاحي إلى أنها «أيضاً رسالة للمجتمع اليمني تحذّرهم إذا لم يتعاونوا مع التنظيم حالما يسيطر على مدن أخرى. وهي أيضاً رسالة خطيرة لأفراد الجيش اليمني لبثّ الرعب في قلوبهم فتنهار معنوياتهم، وهذا أخطر ما قد يصيب الجيش ويعرضه لانتكاسة كبيرة وهزائم متلاحقة تماماً مثل ما حدث معه في صعدة وعمران حيث كان للحرب النفسية والمعنوية أثر كبير».
إلى ذلك، شن الطيران اليمني سلسلة غارات استهدفت مواقع لتنظيم «القاعدة» قرب بلدة قطن في حضرموت، أسفرت عن وقوع قتلى في صفوف المقاتلين، بحسب مصدر عسكري. وتزامنت الغارات مع قيام وزير الدفاع محمد ناصر أحمد بجولة تفقدية لمعاينة الاضرار الناجمة عن هجمات ضد قوات الأمن تنسب الى القاعدة.