من كان يتصور أن جيش الاحتلال الاسرائيلي يمكن أن تصل به الأيام، بعد 8 سنوات من التدريب واستخلاص العبر في أعقاب حرب تموز، إلى هذا الدرك من المهانة والإذلال على يد عناصر المقاومة الغزاوية؟ عملية نوعية تؤدي إلى أسر ضابط في ذروة عدوان تستجدي فيه إسرائيل وساطة لوقف النار، ولو أصرت على المضي في تدمير الانفاق التي بدا واضحاً أنها تمثل تهديدا استراتيجيا لدولة العدو. وما النتيجة؟


عجز عن رد فعل نوعي، يتكئ على تدخل من باراك أوباما نفسه، الذي يشترط على فصائل المقاومة، التي لم يتبن اي منها عملية الأسر، تحرير الجندي الإسرائيلي «كشرط مسبق لإزالة التوتر بين إسرائيل والفلسطينيين»، مضيفاً «سيكون من الصعب جدا التوصل الى وقف لاطلاق النار إذا لم يكن الاسرائيليون مع المجتمع الدولي قادرين على الوثوق بان حماس ستلتزم تنفيذ تعهداتها في اطار وقف لاطلاق النار».


وفد فصائل المقاومة يضم
12 عضواً ويصل القاهرة اليوم «مهما كانت الظروف»


كلام أوباما الذي ورد في مؤتمر صحافي حمل إشعارا واضحا فسرته إسرائيل على أنه إطلاق ليدها للتصرف كيفما تشاء من أجل إعادة الضابط أولا، وثانيا إضافة شرعية كاملة على العمل ضد الأنفاق، كما كانت الدعوة الأميركية إلى «الافراج عن الضابط دون شروط، وفي أقرب وقت ممكن»، مع تجاهل المجزرة الإسرائيلية الكبيرة التي ارتكبت في رفح، وراح ضحيتها 62 شهيدا و350 جريحا في قصف عشوائي للمنازل بعد حدوث عملية الأسر.
يفهم جليا أن الإدارة الأميركية حملت الفلسطينيين مسؤولية خرق التهدئة، التي عملت عليها الأمم المتحدة وخارجية واشنطن، وذلك بالاستناد إلى الرواية الإسرائيلية، التي تحدثت عن أن العملية جرت في التاسعة والنصف صباحا (أي بعد ساعة ونصف ساعة من بدء هدنة الأيام الثلاثة)، لكن رغم أن أي فصيل فلسطيني لم يتبن الأسر حتى كتابة النص، فإن حديث المقاومة كان عن تصديها لتوغلات إسرائيلية في مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، قبل ساعة من بدء الهدنة (5.30-7.30ص).
هي لعبة الوقت التي تتحامل فيها الأطراف الدولية على المقاومة، التي وضعت في خانة ضيقة حينما استغل جيش العدو الهدنة ليكمل عمليته في هدم الأنفاق، والتوغل إلى مسافات أبعد داخل القطاع، كأن الهدنة تعني القصف الجوي فقط، وهو ما ردت عليه المقاومة بنص واضح مفاده بأن من حقها المشروع الرد على أي دخول بري، ما دامت القوات الإسرائيلية في البر.
ويبدو أيضا أن إسرائيل حاولت الاستفادة من هذه التهدئة لإقرار مسافة توغلها في حدود مسافة 2.5 كلم، أو زيادتها إلى أربعة كيلومترات لتكوين ما يشبه المنطقة العازلة على حدود غزة، لكن القوة التي تقدمت في رفح تعرضت لهذا الكمين المحكم، مع تأكيد المقاومة والرصد الإعلامي أنه لم يكن هناك أي وجود إسرائيلي شرق رفح قبل أمس، كما شددت على أنها منذ البداية لم تقبل وقف النار دون انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خلف السياج الحدودي، لكنها كانت تريد إعطاء فرصة للتحرك السياسي لولا التوغل الإسرائيلي.
ما جرى أمس، فضلا عن نتائجه اللاحقة في ملف الأسرى، فإنه أعدم فرصة استكمال الهدنة قريبا، لكنه لم يمنع الفلسطينيين من إرسال وفدهم إلى القاهرة لبدء المباحثات، ولعل التطورات الخطيرة والمتلاحقة جعلت الجدار المصري بشأن وقف إطلاق النار كاشتراط لبدء المحادثات منهارا تماما، وخاصة مع الغضب الأميركي والإسرائيلي اتجاه ما جرى.
وقبل الحديث عن الوفد الفلسطيني الذي من المقرر أن يصل الأراضي المصرية اليوم، يهم التنبيه إلى أن الغضب الأميركي لم يقف عند حدود خطاب أوباما، بل جاء بوضوح عبر طلب وزير الخارجية، جون كيري، من الوسيطين، أو الحليفين، القطري والتركي، «استخدام نفوذهما في الإفراج عن ضابط إسرائيلي مخطوف».
واتصل كيري بوزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية، وبوزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو، بعدما أبلغه أحد مساعديه حادثة الأسر ومقتل الجنديين، ما أدى إلى انهيار وقف إطلاق النار، بعد ساعة من بدايته، وفق رواية مساعدي الوزير الأميركي. وقال إنه تحدث أيضا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وكرر تأكيد «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».
بدوره، رد أوغلو بالقول إن «تركيا ستبذل قصارى جهدها للعمل على الافراج عن الضابط»، لكنه أشار إلى أن «الأولوية يجب أن تركز على تنفيذ الهدنة»، لافتا إلى أن المحادثات التي ستسأنف ستجرى الآن بمشاركة تركيا والولايات المتحدة وقطر.
بشأن وفد الفصائل والسلطة الفلسطينية، قرر الرئيس محمود عباس تأليف الوفد الفلسطيني الموحد رسميا للتوجه اليوم إلى العاصمة المصرية «مهما كانت الظروف»، مع الإشارة إلى أنه هاتف وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في هذا الشأن.
وذكرت مصادر متقاطعة أن الوفد القيادي في حركة «فتح» يرأسه عزام الأحمد، ويضم مدير الاستخبارات ماجد فرج، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» موسى أبو مرزوق (الموجود في القاهرة)، وأعضاء المكتب: خليل الحية وعماد العلمي ومحمد نصر وعزت الرشق، ونائب الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي» زياد النخالة، ومسؤول العلاقات الخارجية فيها خالد البطش، كما يضم الوفد القيادي في الجبهة الشعبية ماهر الطاهر، وفي الجبهة الديموقراطية قيس عبد الكريم، والأمين العام لحزب الشعب بسام الصالحي.
عند هذه النقطة، أعادت الفصائل تأكيد مطالبها لدى السلطة لنجاح التفاوض، وفي مقدمة ذلك ضمان وقف تام للعمليات العسكرية الإسرائيلية بعد الانسحاب، وضمان فتح جميع المعابر ودخول كل أنواع المساعدات، بما في ذلك مواد البناء، إلى جانب إخراج 1500 جريح في حالة صعبة للعلاج. مع أن هناك استشعارا من المقاومة بمحاولة إسرائيلية حثيثة من أجل اغتيال قيادات بما يعوض انكسار الروح المعنوية.
على الجانب الإسرائيلي، عقد المجلس الوزاري المصغر جلسته أمس من أجل تحديد كيفية الرد على عملية الأسر التي صدمت الشارع والقيادة، في ظل تسريبات أن غالبية الوزراء ضد اعتبارها تطورا فاصلا في العملية، مع توصية بتصعيدها ضمن المستوى نفسه. وذلك على الرغم من أن عملية الأسر جعلت خيار الانسحاب الأحادي من دون الالتزام بتنفيذ مطالب الشعب الفلسطيني أكثر كلفة، ويتسم بطابع الهزيمة، لأنه يجري «تحت النار»، كما أن خيار المراوحة باتت كلفته أكثر مما كان متوقعا، وخاصة أن نجاح عملية الأسر يؤشر إلى إمكانية تكرارها، وهكذا بات لزاما على المجلس الوزاري ابتداع خيار عملاني يتفادى فيه سلبيات الاقتراحات.
وكانت صحيفة «يديعوت احرونوت»، قد نقلت قبل الأسر عن مصدر سياسي رفيع المستوى، قوله إن الصبر الأميركي ينفد، «وعمليا رفعت الولايات المتحدة بطاقة حمراء من غزة». ووصلت أصداء هذه المواقف في أعقاب حديث أجراه وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل، مع نظيره الإسرائيلي، موشيه يعلون. وأضافت الصحيفة، استنادا إلى قنوات سرية، أنه منذ الآن قررت إدارة أوباما «نزع القفازات» اتجاه نتنياهو، والتعامل معه في المستقبل دون الكياسة المتبعة في العلاقات بين الحلفاء. ومن شبه المؤكد أنه في أعقاب واشنطن ستسير دول أخرى، وفق مصدر رفيع.
(الأخبار)