تقتحمُ مجموعة مسلّحة مؤلّفة من خمسة أشخاص مشفى بلدة الشحيل في ريف دير الزور الشرقي، وتعمد إلى تصفية أحد المراجعين على وقع هتافات تُمجّد تنظيم «داعش». حادثةٌ ليست إلا واحدة من سلسلة حوادث تشهدها المنطقة هناك، حيث يقضي مسلّحون من «قسد»، بشكل شبه يومي، برصاص مسلحين مجهولين يُعتقد أنهم تابعون لـ«داعش»، في ظلّ هجمات متكرّرة على حواجز «قسد»، آخرها هجوم عنيف على حاجز حارة الفليتة في بلدة الصبحة. هذه المشاهد تختصر ما تعيشه أرياف المحافظة الخاضعة لسيطرة «قسد» من فلتانٍ أمني ونشاط لخلايا «داعش»، الذي يسعى إلى إعادة تطبيق أحكام التنظيم على المدنيين، تحت التهديد بـ«إقامة الحدّ» على المخالف. ويبرز هذا التهديد من خلال تعليق قوائم اسمية لعدد من الأشخاص على أبواب المساجد في عدد من البلدات والقرى، تتوعّدهم بالقتل إذا استمرّوا في العمل أو التنسيق مع «قسد».

ويبدو أن تنظيم «داعش» قرّر اللجوء إلى تكتيك «الذئاب المنفردة»، الذي يسعى من خلاله إلى إبراز حضور مسلّحيه في مناطق يُفترض أنها خرجت عن سيطرته، ليشحذ بذلك همّة مقاتليه، ويُثبّتهم على ولائهم للتنظيم. كما يهدف، من خلال ذلك التكتيك، إلى كسب مزيد من المنتسبين إلى صفوفه، وبناء قوة بشرية قادرة على إعادة التنظيم إلى الواجهة من جديد. ولعلّ تكثيفه نشاطه خلال الشهرين الأخيرين استهدف أيضاً التحضير لكلمة المتحدّث الرسمي الجديد باسمه، أبو حمزة القرشي، الذي أكّد استمرارية التنظيم، معتبراً أن «كلمة باقية ليست شعاراً، بل منهجٌ راسخٌ»، في ما بدا إشارة إلى نشاط «داعش» المتزايد في الفترة الأخيرة في المنطقة الشرقية.
والظاهر أن التنظيم لا يريد إثبات قدرته على شنّ عمليات عسكرية مباغتة فقط، وإنما يسعى إلى تطبيق «نهجه وعقيدته»، من خلال الضغط على المدنيين للحفاظ على الطقوس التي رسّخها خلال فترة حكمه لمناطقهم. وفي هذا السياق، يروي أبو أحمد، من ريف دير الزور الخاضع لسيطرة «قسد»، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ملثمين مجهولين يطرقون الأبواب على المدنيين، ويطلبون منهم الاستتابة (التوبة) قبل إقامة الحدّ عليهم». ويضيف أن «الكثير مِمَّن لم يخضعوا لإرادة مقاتلي التنظيم قُتلوا وتمّت تصفيتهم»، مشيراً إلى أن «التنظيم يتبع أسلوب الترهيب للمدنيين، ولا يزال يفرض سطوته عليهم». ويعتقد أبو أحمد، كالكثير من الأهالي، أن «اتّساع المساحة الجغرافية والكثافة السكانية في ريف دير الزور يجعلان من الصعب عسكرياً السيطرة على المنطقة، ما يسهّل عمل خلايا التنظيم بشكل واسع». ويستشهد بإحدى الحوادث التي سُجّلت في بلدة أبو حردوب، حيث أجبر «داعش» أكثر من 80 موظفاً تابعين للإدارة الذاتية (الكردية) على الاعتكاف في مسجد البلدة، وإعلان «الاستتابة» بعد تهديدهم بالقتل.
وفي وقت ينشط فيه التنظيم عسكرياً وأمنياً في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد»، يقتصر حضوره في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية على شنّ هجمات متقطّعة تستهدف نقاطاً وحواجز عسكرية في البادية في ريفَي دير الزور الغربي والشرقي. ولم يسجّل هذان الريفان أيّ نشاط أمني للتنظيم ضدّ المدنيين، كما يحصل في الشطر الشرقي لنهر الفرات. وتوضح مصادر ميدانية في الجيش السوري، لـ«الأخبار»، أن «الهجمات التي حصلت أخيراً في نقاط عديدة في ريف وبادية دير الزور كانت محدودة، وتمّ التصدّي لها بشكل كامل». وتلفت إلى أن «خلايا تابعة للتنظيم تتسلّل من مناطق شرق النهر باتجاه مناطق سيطرة الجيش، أو تسعى للاستفادة من بادية دير الزور لاتخاذها كقاعدة لشنّ هجمات». وتضيف أن «الجيش السوري يقوم بشكل شبه يومي بعمليات تمشيط واسعة لمناطق صحراوية، بهدف منع استغلالها لشنّ هجمات على مواقعه في المنطقة»، مؤكدة أن «التنظيم لا يملك أيّ قدرة على شنّ هجمات واسعة تهدف إلى السيطرة على مناطق جديدة».