في خطوة تصعيدية لافتة، شن جيش العدو فجر اليوم غارات على مناطق متفرقة من محيط دمشق وجنوب سوريا. وحتى الثانية من فجر اليوم، كان طيران العدو ينطلق من فوق الاراضي اللبنانية وينفذ عدة غارات، تصدّت لها وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوري. وقالت مصادر في دمشق ان بعض الصواريخ اصابت اهدافا في اكثر من منطقة، بينما نجحت الدفاعات الجوية في تدمير عدد من الصواريخ. وترافق القصف، مع استنفار اسرائيلي كبير في منطقة الجولان المحتل، حيث فعّلت قوات الاحتلال منظومة صواريخ الباتريوت باتجاه صواريخ سورية مرت فوق الجولان. واعلن جيش الاحتلال مجموعة من الاجراءات بينها اغلاق مناطق التزلج في جبل الشيخ.

وأعلن ناطق باسم جيش العدو أن الغارات استهدفت «أهدافا تابعة لقوة القدس الإيرانية في الأراضي السورية»، محذراً «الجيش السوري من محاولات مهاجمة إسرائيل أو قواتنا». وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) فجر اليوم أن «الدفاعات الجوية السورية تتصدى لأهداف معادية في سماء دمشق وتسقط عددا منها». وأوضحت أن «العدوان الذي تتعرض له سورية (يتم) من فوق الأراضي اللبنانية»، من دون إعطاء معلومات حول المواقع التي استهدفها العدوان.
وكانت سوريا شهدت أمس اعتداءً إسرائيلياً ، هو الأول من نوعه من حيث التوقيت، لكونه وقع في منتصف النهار، على خلاف الاعتداءات الليلية التي نُفّذت سابقاً. وأطلقت الطائرات الإسرائيلية عدداً من الصواريخ باتجاه نقاط ضمن حرم مطار دمشق الدولي وبعض قواعد الدفاع الجوي التي تحمي أجواء دمشق الجنوبية. وتمكّنت الدفاعات الجوية السورية من صدّ عدد من الصواريخ، فيما لم تُعلن وزارة الدفاع السورية وقوع إصابات أو أضرار في المواقع المستهدفة. وسبقت الاعتداء الإسرائيلي عودة أجواء التوتر إلى العاصمة دمشق، إثر انفجار عبوة ناسفة على الأطراف الجنوبية الشرقية للمدينة. وعقب الانفجار، أغلقت عدة مداخل إلى المُتحلّق الجنوبي، بعد أنباء عن كشف عبوة أخرى زُرعت على الطريق نفسه.
الى ذلك، وفي موازاة وداع الرئيس الأميركي دونالد ترامب جثامين عسكريي بلاده الذين قتلوا الأربعاء الماضي في الشمال السوري، واحتفال نظيره التركي رجب طيب أردوغان ـــ عبر الهاتف ـــ مع جنود بلاده بالذكرى الأولى لعملية «غصن الزيتون» التي انتهت باحتلال منطقة عفرين، لا يزال مصير منبج ومناطق شرق الفرات معلّقاً في انتظار نتائج عدد من اللقاءات المهمة. ففيما تبحث وزارتا الدفاع الأميركية والتركية التفاصيل التقنية اللازمة لإنجاز تصوّر متكامل لمشروع «المنطقة الآمنة»، تعوّل تركيا على موقف روسي واضح حيال خطواتها المرتقبة في المناطق الحدودية شمال شرق سوريا، خلال زيارة أردوغان لموسكو بعد غد.

بحث أردوغان عبر الهاتف «تنفيذ خريطة منبج» مع ترامب


وتشير تصريحات رسمية وأحاديث أوساط إعلامية تركية إلى أن أنقرة ليست غافلة عن الحسابات الروسية التي تعوّل على دفع تفاهمات إدلب في سياق النقاش عن شرق الفرات، وهي تُدرك أن خططها لسوريا ما بعد الانسحاب الأميركي تمرّ ــ حتى الآن ــ من بوابة تفاهماتها مع موسكو. وعلى رغم التعثّر في مسار محادثات الحكومة السورية والجانب الكردي المسيطر في شرق الفرات، والضغوط المستمرة على دمشق، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، لا يزال الموقف الرسمي السوري ملتزماً الحوار مع رفض اعتبار مشروع الانسحاب الأميركي أمراً واقعاً، إلى حين تحقّقه.
وتحمل الاعتداءات الإسرائيلية في هذا التوقيت بعداً حساساً في سياق انتظار موعد الانسحاب الأميركي من سوريا. فالتصعيد الإسرائيلي الذي يتستر بحجج «الوجود الإيراني» في سوريا، لا ينفصل عن رؤية تيار أميركي واسع بضرورة تأجيل الانسحاب حماية لمصالح إسرائيل وتحجيم نفوذ إيران. وفي سياق متصل، كان لافتاً أن زيارة عضو مجلس الشيوخ الأميركي، ليندسي غراهام، إلى أنقرة، انتهت بتصريحات منه تدين بشكل أو بآخر الدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية، وتحثّ على «تنسيق» الانسحاب المرتقب مع تركيا بشكل كامل. ويوم أمس، أعاد الرئيس التركي على مسامع نظيره الأميركي المطالبة بحسم ملف منبج وفق «خريطة الطريق» الأميركية ـــ التركية للمدينة. وأوردت وكالة «الأناضول» أن أردوغان أبلغ ترامب استعداد بلاده لتولي حفظ الأمن في منبج من «دون إضاعة الوقت». ويندرج الاتصال والعرض التركي المتجدد في إطار استغلال تفجير منبج الذي تسبب في خسارة أميركية هي الأكبر، دفعة واحدة، في سوريا. فترامب الباحث ــ بشكل رئيس ــ عن حلّ يقلّل الفاتورة المادية والبشرية الأميركية، قد يُبدي اهتماماً بتسريع تنفيذ «خريطة منبج»، والتفرغ لمقترحه بإنشاء «منطقة آمنة» شرق الفرات.
ومن الطبيعي أن يكون موقف موسكو في التعاطي مع مخرجات التفاهمات الأميركية ـــ التركية مهماً لنجاحها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، رأى مدير مركز «سيتا» للدراسات في أنقرة، برهان الدين دوران، في مقال لموقع «دايلي صباح»، أن الأتراك حريصون على «تأمين إجماع» عبر الحديث مع كلّ من موسكو وواشنطن، معتبراً في الوقت نفسه أنه «لا يوجد سبب يجعل بوتين يعارض الإدارة التركية للمنطقة الآمنة... لكنه قد يسعى إلى توسيع المفاوضات (مع تركيا) لتشمل إدلب». وبالتوازي، تستضيف موسكو، اليوم، المبعوث الأممي الجديد غير بيدرسن، قادماً من لقاء مع «هيئة التفاوض» المعارضة في الرياض، على أن يعاود زيارة دمشق بعد بحث ملف «اللجنة الدستورية» مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.