القاهرة | مثلت مواقف حزب النور السلفي، الذي يعد الذراع السياسية للدعوة السلفية، «السلفية العلمية» مدرسة الإسكندرية، ملمحاً هاماً في تشكيل ثنايا ما قبل المرحلة الانتقالية وخلالها منذ عزل الرئيس محمد مرسي. مواقف وضعت الحزب في بؤرة الضوء، مفجرة العديد من الأسئلة عن مستقبل الحزب، وخاصة بعد انتهاء قدرته على التمدد في الفراغ الناتج من المواجهة الشرسة بين النظام الحالي وجماعة الإخوان المسلمين، «أم» جماعات الإسلام السياسي، ووراثته لهذه الجماعة.


كذلك رسمت علامات استفهام عن مدى صموده الأيديولوجي وحدود التنازلات التي يمكن أن يقدمها خلافاً لأدبياته التي أسست لمنهجه منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وحدود مساحة التحرك في النظام الجديد القائم منذ 3 تموز الماضي، فضلاً عن شكل العلاقة مع الأحزاب المدنية والعلمانية بعد مقاطعة الجماعات الإسلامية للنظام القائم ووقفها موقف المعادي من الحزب والدعوة، ما عدا حزب الإصلاح والنهضة الذي لا يشكل وزناً كبيراً في المعادلة السياسية، مقارنة بالنور نفسه أو كثير من الأحزاب المنسحبة، إضافة إلى التحدي الذي تمثله المرحلة الحالية على استمرار تماسك الدعوة والحزب والتزام القواعد قراراتها.
أسئلة باتت الإجابة عنها ملحة لدى الكثير من المراقبين، وخاصة مع تداخل الإجابة عنها، في ظل مشهد يتشكل من رحم واقع متصادم وضبابي.


وراثة سلفيي الإسكندرية للإخوان

ربما كانت أكثر الأسئلة إلحاحاً عقب إقرار الدستور الجديد، هو إلى أي مدى سترث الدعوة السلفية «مكان ومكانة» الإخوان بعد التراجع الملحوظ للأخيرة على المستوى الاجتماعي والسياسي.
معطيات الواقع الحالي، تدفع باتجاه وراثة «شكلية» لحزب النور للإخوان والظهور على رأس قائمة التيارات الإسلامية، لكن دون بلوغ نفس «المكانة». طبيعة المرحلة الحالية والدعوة السلفية نفسها تتداخل في ما بينها. فتعرض فكرة «الإسلام السياسي» لهزة كبيرة قرابة العام، وتحديداً منذ إعلان تشرين الثاني 2012 الدستوري، أدى إلى نزف في رصيد جماهير التيار بصفة عامة وأسس لمفاهيم أخرى للنظرة إلى دوره عند شريحة كبيرة من الجمهور، ما أدى إلى وجود مناخ عام قابل لنقد هذا التيار، تطور في ما بعد للنيل منه معنوياً ومادياً. ما يعني سهولة الانقضاض على الدعوة السلفية كغيرها، سواء من السلطة أو من التيارات الأخرى، وخاصة أنها باتت تقف وحدها في مربع الإسلام السياسي داخل العملية السياسية الحالية. الأمر الآخر هو غياب الخبرة الطويلة لدى قياداتهم، على عكس «الإخوان»، التي مكنتها من البقاء والصمود حتى الآن دون أن ينفرط عقدها، وهو أمر لم يختبر في حالة الدعوة السلفية على مدى تاريخها القصير الممتد منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، فضلاً عن عدم وجود جسد حديدي ممثل في نظام «الأسرة الإخوانية» حتى الآن داخل الدعوة، ما يمكّنها من محاكاة التجربة التنظيمية للإخوان المساندة في المناورة والصمود كثيراً. يضاف إلى ذلك رغبة التيارات العلمانية في مواجهة الحزب تجلت في بعض المواقف منها بالهجوم عليه. مثال على ذلك الفيديو المسرب لندوة الهيئة الإنجيلية القبطية في شهر تموز الماضي، قال فيها حلمي النمنم، أحد الكتاب العلمانيين، إنه «الأوان كي يخرج ما يسمى تيار الإسلام السياسي من اللعبة، وهذه هي اللحظة المناسبة، لأن حزب النور أخطر من جماعة الإخوان المسلمين». الموقف الثاني ظهر في نهاية اليوم الأول للاستفتاء، عندما بدأ الهجوم على الحزب والدعوة استناداً إلى أن السلفيين لم يشاركوا بحشد في التصويت، وهو الأمر الذي دفع الحزب في اليوم التالي إلى تنظيم عدد من المسيرات على مستوى أنحاء الجمهورية للرد على هذا الأمر وإثبات الحشد. ومن بين التحديات الأبرز في طريق الدعوة والنور، للتمدد، هو الحرب التي تشنها جماعة الإخوان المسلمين على الحزبين، مستخدمة في ذلك تيارات سلفية متعاونة معها قادرة على إنتاج خطاب سلفي أيضاً يشابه في مفرداته خطاب الدعوة، على طريقة تفكيك الخطاب من داخله، وهو ما قد يحسم من رصيد الحزب عند جمهور المتدينين والتأثير على قواعده أو القريبين منها.


الصمود الأيديولوجي وحدود التنازلات

كان السلفيون دائمي الفخر بأنهم الأكثر التزاماً بما يكتبونه في أدبياتهم، وكانت الصورة المأخوذة عنهم أنهم لا يتنازلون في سبيل الحفاظ على انحيازاتهم الفقهية، والعقدية. لكن منذ ثورة «25 يناير» بدأت الدعوة في التراجع عما اعتبرته «ثوابت» أو ما نظرت ضده خلال العقود الماضية، بدءاً من رفض الديموقراطية والمجالس النيابية، مروراً بالحزبية واشتغال النساء بهذه السياسية الحزبية، الأمر الذي دفعها إلى تبني خيارات فقهية كانت ترفضها وتهاجمها في خطاب الماضي. وهو ما بدا أنه استقر في عرفها ولم يتعلق بمرحلة الانتخابات البرلمانية، وأكثرت في مفردات الخطاب كلمات مثل «الوطنية» و«الوطن فوق الجماعة».
بات السلفيون أكثر المزاحمين في المجال العام السياسي والحزبي و«الدولتي»، وهو موقف انعكس على سلوكها في خلافها مع «الإخوان» منذ تقاربها مع جبهة الإنقاذ عقب الاستفتاء على دستور 2012، وحتى اللحظة الحالية حيث اكتفت الدعوة والحزب بإطلاق بيانات وتصريحات رافضة لعدد من الأحداث الجسام كحادثة «الحرس الجمهوري» وفض رابعة والنهضة وغيرها، من دون أن تنسحب من خريطة الطريق، وهو موقف أظهر تمسكها بالحضور على الساحة، ودفع عدداً من أعضائها إلى النظر بأن سلوكها براغماتي، فيما بررت الدعوة وقيادتها بأنها لا تملك سوى الرفض؛ لأن «الدولة في خطر» وأن «الخطأ الأكبر لدى الإخوان»، وعلى الرغم من هذا الموقف إلا أن أطرافاً في الدولة نظرت إليه على أنه «انتهازي».
وعلى الرغم من أن المقربين للحزب يرون أن هذا تطور للحزب وأن الحزب ما زال يستند إلى خطابات فقهية، وأن الواقع يفرض هذا الأمر حفاظاً على «الهوية الإسلامية والشريعة الإسلامية»، إلا أن تكرار هذا الخطاب عند كل منحى يقدم فيه الحزب تنازلاً أو يؤصل فقهياً لأمر لا يمتد على استقامة خط الدعوة، يكشف أن السلفيين انغمسوا في المناخ السياسي، إلى درجة أجبرتهم على التعاطي مع الفضاء السياسي «المُعلمن» وتكييف أوضاعهم معه من أجل الاستمرار وسط تقلبات السياسة، وإن جرى ذلك بغطاء يتوسل بالخطاب الديني «المرن»، وهو تحدٍّ لا يُعرف حتى الآن حدود المرونة الفقهية فيه.


حدود الدور المسموح به

حتى الآن لم تظهر السلطة «الرسمية» أي نيات تجاه حزب النور، لكنها لم تعط إشارات بالترحيب بدور قوي له مستقبلاً؛ فمادة منع تشكيل الأحزاب على أساس ديني في الدستور سيف مُصلَت على رقبة الحزب من قبل النظام.
الخبير الفرنسي في الشأن السلفي، استيفان لاكروا، أوضح في حديث لـ«الأخبار» أن «السلفيين ما زالوا يراهنون على فكرة «السلفنة» من أسفل وليس من أعلى، وكل ما يريدون هو الحفاظ على الدعوة. من أجل ذلك، يستخدمون الذراع السياسية لهذا الأمر، فممارسة الحكم ليس له أهمية هذا الوقت».
وأضاف لاكروا أن «السلفيين لم يتغيروا كثيراً في نظرتهم إلى وظيفة السياسة؛ فهي ما زالت وسيلة للدفاع عن مصالح الدعوة»، مستطرداً: «إذا نظرنا من هذا المنظور فالإخوان كانوا منافسين على الدعوة بالنسبة إليهم، لكن العسكريين لا ينافسونهم على الدعوة ومن ثم لا أزمة معهم».
ويشير لاكروا إلى أن «وجود معسكرين داخل الدولة، الأول يرى القبول بحزب النور حتى بعد الاستفتاء، كأحد العناصر التي ترسم شكل النظام، بينما يرى آخر أن حزب النور دوره انتهى ويجب إبعاده»، مرجحاً أن يؤدي «السلفيون دوراً كدور الإخوان إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك كشرعنة النظام»، مبيناً أن «السلفيين يشعرون بأن السلطة في حاجة إليهم».


استمرار تماسك الدعوة والحزب

تعد كل هذه التحديات السابقة، والإجابة عن كيفية التعامل معها، الرهان الأبرز على قدرة الدعوة ومن خلفها الحزب، على الاستمرار والتماسك.
قيادات الحزب تؤكد أن الدعوة والحزب صامدان في مواجهة كل الحملات عليهما، رغم تصدع الصورة الذهنية للدعوة لدى الشباب المتدينين والإسلاميين وكوادرهم، والانسحاب الملحوظ لعدد من القواعد الذي قرر البعض منهم أن يكونوا على حياد وآخرين في موقع الضد للدعوة، باعتبار أنها انحازت إلى السياسة على حساب الدعوة. وتعد مرحلة ما بعد فض اعتصام «رابعة العدوية» واشتراك الحزب في الاستفتاء على الدستور المرحلة الثانية في التأثير سلباً على قدرة الحزب في التماسك الفعلي، بعد الأزمة الأولى إثر انشقاق عدد لا يستهان به من كوادر الحزب وقياداته بعد تأسيس حزب «الوطن» منذ عام في الأزمة الشهيرة بين رئيس الحزب السابق الدكتور عماد عبد الغفور ونائب رئيس الدعوة السلفية الدكتور ياسر برهامي. وتعد الأزمة الحالية الأعنف في تاريخ الحزب، بعد غياب كثيرين من مؤسسي الدعوة عن المشهد. فالشيخ محمد إسماعيل، الرمز التاريخي، لم يلق أي دروس أو يخرج على الجمهور في أي مناسبة، منذ «30 يونيو»، حتى أن مقربين منه نقلوا عنه قوله إنه «معتزل للفتنة». بينما يستمر أحمد حطيبه في الابتعاد التام عن السياسة، فيما يعد الشيخ سعيد عبد العظيم في حكم المنشق عن مجلس الإدارة منذ أزمة انشقاق الحزب، بينما لم يظهر الشيخ أحمد فريد إلا قليلاً لتأييد الدستور.
الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، في المركز الأميركي التقدمي، مختار عوض، رأى في حديث لـ«الأخبار»، أن «الدعوة السلفية لم تُختبَر حقيقة منذ انتخابات مجلس الشعب في 2011» ورجح عوض أن تكشف الانتخابات القادمة وزن هذه الكتلة الصلبة»، مشيراً إلى أن «النور والدعوة أكثر تنظيماً من القوى الليبرالية، حتى لو اعتراهما الضعف في الفترات الماضية».


هل يتأخون السلفيون ؟

كثيرة هي المواقف التي دلت على وجود تحولات في الرؤية السلفية للتعاطي مع الأمور والقضايا السياسية، منذ نحو عام، أعطت انطباعاً بأن ثمة حالة «تأخون» تسري في تيار الدعوة السلفية العلمية التي تتخذ من الإسكندرية منطلقاً لها. شواهد هذا الطرح هي جملة الأمور السابقة، أبرزها أن من بين الفوارق بين السلفيين والإخوان هو وجود ناظم منضبط قبل الثورة في تأويل النص الديني، كان يجعل مواقفها أكثر صلابة، بينما كان الإخوان يعتمدون على تبني المواقف ثم البحث عن تخريجات فقهية تناسبها، أي كان الاجتهاد الفقهي في خدمة الموقف السياسي، وهو الأمر الذي بدا واضحاً في تقارب حزب النور مع الأحزاب العلمانية التي كان يهاجمها ويبتعد عنها حتى انتخابات مجلس الشعب السابقة وانتخابات الرئاسة.
هذا فضلاً عن طريقة التنظير للقرار السياسي ورفع شعار «الحفاظ على تنظيم الدعوة والتيار الإسلامي والقبول بالصندوق وكثرة استخدام مفردات الوطنية، وعدم الوقوف في وجه السلطة والاكتفاء بالبيانات النصية، وعدم معارضتها وعدم المساس برأس السلطة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وتحميله مسؤولية كثير مما يجري».
كذلك حالة الشعور بالقوة التي ظهرت جلية في تنظيم مؤتمراتهم، وخاصة مؤتمر الإسكندرية الأول الذي حشدت إليه الجموع من محافظات البحيرة ومطروح وغيرها، وشهد تنسيقاً عالياً جداً مع الجيش والشرطة من أجل الدعوة «لنعم».
الأمر الأخير هو تراجع الدعوة عن عدم الدخول في المجال الحزبي، وذلك بحصول الشيخ ياسر برهامي على عضوية الحزب، إضافة إلى منصبه كنائب رئيس الدعوة السلفية، ليجمع بين صفتين حزبية ودعوية.

الرؤية الرسمية للدعوة والحزب

الرؤية الرسمية للحزب قدمها في حديث لـ«الأخبار» الشيخ محمود عبد الحميد، عضو مجلس شيوخ الحزب وعضو مجلس إدارة الدعوة.
عبدالحميد كشف عن أن «الحزب سيخوض الانتخابات البرلمانية القادمة على كافة المقاعد»، وتمنى «الحصول على نفس نسبة المجلس السابق»، موضحاً أنه «لن يكون هناك تحالف مع القوى المدنية، ولكن يمكن التنسيق معها لإيجاد اصطفاف وطني».
ورأى عبد الحميد أن «القنوات التي قللت من حجم مشاركة الحزب في الاستفتاء، هي مملوكة لأحزاب منافسة للنور في الانتخابات البرلمانية، ومن مصلحته إضعافه، وخصوصاً أن المادة الإعلامية عندنا ضعيفة».
ورأى أن «عدم وجود دستور كان سيطيل الفترة الحالية، ومن الممكن أن ينهار البلد اقتصادياً ويتطور النزاع إلى صراع أهلي»، مشيراً إلى أن نتيجة الاستفتاء أضعفت موقف «الإخوان» التفاوضي، فهم «لا يسيرون في مسيرة العقل».
ورفض اعتبار مسيرات الحزب رداً على الاتهامات بضعف الحشد، لكنها من أجل إظهار أننا «صادقون باللي وعدنا به، و«الأجهزة» اللي اتفقنا معاها على أشياء إن إحنا وفينا»، من دون أن يوضح طبيعة هذه الأجهزة، مضيفاً بنبرة مازحة: «رسالة للأحزاب خلي بالكم إحنا جايين في الانتخابات اللي جاية».
وعن الموقف من ترشح السيسي للرئاسة، أوضح أنه حتى الآن «ليس لدينا مرشح محتمل، فقد يكون هناك مرشح غير السيسي أو أن يكون المرشحون أمامه ضعفاء»، هذا فيما أكد الدكتور ياسر برهامي أنه «يقدر السيسي جداً»، مبيناً أنه يفضل أن تكون الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية.




ياسر برهامي

يُعَد الدكتور ياسر برهامي، كلمة السر في الدعوة السلفية والقابض على مقاليد الأمور. وهو ممن يعرف بحبه للعمل التنظيمي وشارك في تأسيس معهد لإعداد الدعاة بالإسكندرية في الثمانينيات، قبل غلقه عام 1994. وحاول إيجاد شكل تنظيمي هرمي للدعوة، لكن الضغوط الأمنية وقلة الخبرة التاريخية حالت دون ذلك، وخاصة حينما ضربت محاولة إيجاد تنظيم في جامعة الإسكندرية عام 2002. يعرف بكثرة خلافاته التاريخية مع جماعة الإخوان، ويعد العنصر المكافئ لخيرت الشاطر ومحمود عزت في الحالة الإخوانية. ظهرت قدرته وسيطرته بنجاحه في خلافه مع جناح عماد عبد الغفور في الحزب، وشارك في لجنة الدستور الأولى وأشرف على عمل الثانية. وتعد الوجوه الإعلامية الأكثر قرباً منه، كالشيخ عبد المنعم الشحات ونادر بكار وأحمد عبد الحميد.