أثارت تصريحات الوزير الفرنسيّ لأوروبا والشؤون الخارجيّة حول عودة «الحركى» و«الأقدام السوداء» إلى الجزائر وإمكانيّة إعادة أملاكهم إليهم جدلاً سرعان ما تلاشى بصدور بيان صحافيّ عن السفارة الفرنسيّة ذكّر بالمحتوى الدقيق لتصريحات جان إيف لودريان، وأكد أنّها لم تقصد التدخّل في القرارات الجزائريّة بواسطة «الضغط» أو «الابتزاز».

هذا الجدال يحيل على التاريخ الذي لا يزال حيّاً على مستوى التمثّلات الجماعيّة وأهميّته باعتباره مُحدِّداً هوياتيّاً. فكلما أثيرت مسألة «عودة الحركى» في التصريحات الرسميّة، تؤدي إلى استنكار جماعيّ كما تشير ردود الفعل الساخطة التي تلت كلمة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في تموز/ جويلية العام الماضي لمناسبة زيارته الرسميّة الأولى للجزائر التي دعا خلالها السلطات إلى العمل على عودة عائلات «الحركى» و«الأقدام السوداء».
وبالنسبة إلى الجزائريّين، تُعَدّ مسألة عودة «الحركى» نقاشاً زائفاً، إذ إنّ موقع هذه المجموعة في تاريخ الثورة الجزائريّة، وإخلاصها التاريخيّ للسلطة الاستعماريّة السابقة، يجعلان القطيعة معها نهائيّة، وبصرف النظر عن القاعدة الثقافيّة المشتركة، لا شيء يبرّر اليوم انتماءها إلى الشعب الجزائريّ. ولفهم بناء هذه الغيريّة المطلقة في المخيال الجمعيّ للجزائريّين الذي يُصنّف كلّ شخص ضمنه وفقاً لعلاقته بالثورة، لا بدّ من إلقاء نظرة سريعة على التاريخ.
مُجمّعين تحت تسمية «الحركى»، شكّل المسلمون الفرنسيّون الذين نقل جزء منهم إلى فرنسا بعد الاستقلال قوام القوات الرديفة لجهاز القمع الاستعماريّ. وتذكر أعمال المؤرخ عبد الرحمن مؤمن، بوجود خمسة أصناف من التشكيلات الرديفة المدنيّة المُصمّمة لتؤدي دوراً مهمّاً في تنفيذ استراتيجيّة مكافحة التمرّد والمساهمة في «الحفاظ على النظام» الاستعماريّ خلال حرب التحرير التي أطلق عليها الطرف الفرنسيّ تسمية «أحداث» لوقت طويل. «كوميّة مجموعات الشرطة الريفيّة المتنقّلة التي تحوّلت تسميتها لاحقاً إلى مجموعات الأمن المتنقّلة، والمخازنيّة المكلفين حماية أقسام الإدارات المختصّة، وعسس الوحدات الإقليميّة، ومجموعات الدفاع الذاتيّ، وأخيراً المجموعة الأكثر شهرة، وهي الحركى التي تتكوّن من موظفين معيّنين محليّاً كانوا يعملون في البداية بأجر يوميّ ثم صاروا يعملون بعقود شهريّة قابلة للتجديد، وكان تعرّضهم للإصابات يُعَدّ حوادث عمل».
شاركت تلك المجموعات المختلفة في مهمات إشراف، ومراقبة للقرى، وتقفٍّ، ومرافقة الوحدات المدينيّة، ولكنها عملت أيضاً على فرض الإتاوات وقمع الأهالي. ومن بين «الحركى» من ساهم في قتل وتعذيب الجزائريّين الذين تظاهروا سلميّاً في باريس يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر ضدّ حظر التجوال العنصريّ الذي حدّ من حريّتهم في الحركة. الصحافيّة الفرنسيّة بولات بيجو، وهي مؤلفة كتابين هما «حركى باريس» و«موجة عنف عنصريّة ضدّ العرب في باريس»، تجزم في حكمها حول موضوع «الحركى» بالقول إنّه «لم يكن لهم ما يأكلون، وما يخسرون سوى بزّة المرتزق وراتب الخيانة. وقد كانوا يخشون الوصول إلى حلّ سلميّ لحرب الجزائر». ويذكر عبد الرحمن مؤمن أنّه في عام 1962، ورغم إجراءات الحدّ من نقل «الحركى» من قبل الحكومة الفرنسيّة، التحق ما يقارب 10 آلاف منهم بفرنسا. ويفكّك مؤمن، الباحث المشارك في «مركز الأبحاث التاريخيّة حول المجتمعات المتوسطيّة» في «جامعة بيربينيان»، الأسطورة القائلة إنّ جميع «الحركى» الذين بقوا في الجزائر تعرضوا للقتل، فوفقاً له لا يجب أن يحجب العنف الذي تعرّض له بعضهم بعد الاستقلال حقيقة العفو عن مئات الآلاف منهم الذين لم يهاجروا.
في تحقيقه حول «التابو الأخير، الحركى الذين بقوا في الجزائر بعد الاستقلال» (أكت سود، 2015)، أعطى الصحافيّ بيار دوم الكلمة لـ«الحركى» الذين قدموا شهادتهم حول أوضاعهم في الجزائر. ويبدو من خلال خطابهم أنّ حرب الجزائر كانت النقطة التي أدت إلى انفصالهم عن بقيّة المجتمع الجزائريّ، ورغم أنّ «الحركى» الذين بقوا بعد الاستقلال لم يحرموا حقوقهم المدنيّة والسياسيّة، إلّا أنّهم يُمثّلون في الذاكرة الجمعيّة للجزائريّين بوصفهم «خونة» لثورة لم تتحقّق إلّا بعد دفع مليون ونصف مليون شهيد على الأقلّ لدمهم.
«الحركى» في الجزائر لا يعانون تمييزاً مؤسساتيّاً بقدر ما أنّهم مهمّشون بسبب إرث بنيويّ ثقيل يمنع انتماءهم إلى الشعب الذي يمثّل توحده النفسيّ حول الثورة شرطاً أساسيّاً. وتبدو مسألة عودة «الحركى» الذين أعلنوا تاريخيّاً انتماءهم إلى المجتمع الفرنسيّ، هراءً بالنسبة إلى عدد من الجزائريّين. فبعد نقلهم غداة الاستقلال، لم يتوقّف «حركى» فرنسا علن أن يتمثلوا بكونهم فرنسيين، ولذلك هم ليسوا جزائريّين، كما يدعي أغلب أبنائهم اليوم ارتباطهم بفرنسا وينتظرون اعتراف الدولة الفرنسيّة بانخراط عائلاتهم إلى جانب الجيش الفرنسيّ.
وإن كانوا يدعون انتماءهم أيضاً إلى الثقافة الجزائريّة، فإنّ ذلك الإحساس بالانتماء غير متجذّر في تاريخ وذاكرة مشتركين. فالماضي التاريخيّ، والنضالات المشتركة، والسلوك الثقافيّ هي عوامل محدّدة في تشكيل الوعي الوطنيّ. ولا يمكن المشاعر الطيّبة أو الحنين إلى الجزائر أن يكونا أساساً للمطالبة بالعودة تحت لافتة «انتماء جزائريّ» متخيّل، في حين أنّ «الانتماء الجزائريّ» الواقعيّ مرتبط بالقطيعة الثوريّة لعام 1962.