أيام استثنائية يعيشها الأردن مع احتشاد آلاف المحتجين في مدن عدة على أثر رفع أسعار المحروقات. التظاهرات الشعبية بدأت منذ ليلة الجمعة، بالتوازي مع انشغال الأطر الشعبية والحزبية والنقابية باستحقاق جديد في برنامج الإصلاح الاقتصادي بالشراكة مع صندوق النقد الدولي يتمثل في قانون ضريبة الدخل المعدل. العنوان العريض للاحتجاجات الذي تمثّل بشعار إسقاط الحكومة ونهجها الاقتصادي تآلف عليه المشاركون على اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والطبقية، في رد فعل هو الأكثر غضباً على سلسلة الإجراءات الحكومية القاسية منذ بداية العام الحالي. التجمع الأكبر كان في العاصمة عمّان وبالذات في محيط دارة رئاسة الوزراء... وتوقعات بتغييرات تطاول رئيس الوزراء لم تؤكد لغاية اللحظة.

ليالي الأردن لم تعد متأثرة بالمحيط الملتهب فقط. في الداخل تتصاعد تظاهرات شعبية على وقع زيادات ضريبية لم تعتدها المملكة. حكومة عمان تبدو، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، في موقع المرتاب والعاجز. إملاءات صندوق النقد الدولي لم تمر بالسلاسة ذاتها، فالوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب حرّك قطاعات شعبية ونقابية عدة، في وقت تمرّ عواصف سياسية في المنطقة تؤثر في دور الأردن ووضعه المالي، من «العقاب السعودي» وتجفيف المساعدات إلى الجنوب السوري المشتعل باللاجئين والمسلحين على الحدود الشمالية. وإن تأجلت ردود الأفعال على أيام المملكة الاقتصادية العصيبة فإنها ترافقت هذه المرة مع زيارة بعثة صندوق النقد الدولي وسط جدل واسع حول قانون ضريبة الدخل المعدل، الذي أقره مجلس الوزراء من دون مشاورات نيابية، وأرسله لمجلس الأمة في انتظار مناقشته، علماً أن دورة البرلمان العادية انتهت ولم يوجه الملك عبدالله دعوة لانعقاد دورة استثنائية بعد.

كرة الثلج
حراك نقابي جاء رفضاً لقانون الضريبة ونظام الخدمة المدنية وبدعوة من مجلس نقباء النقابات المهنية، حضره الآلاف يوم الأربعاء الماضي. كان الإضراب عن العمل والاعتصام في مجمع النقابات تعبيراً عن رفض مقترح قانون ضريبة الدخل والتعديلات على نظام الخدمة المدنية. أفضى الإضراب لإمهال الحكومة أسبوعاً واحداً لسحب القانون من مجلس الأمة وإلا «إضراب مماثل لإسقاط الحكومة». ويعد تنظيم هذا الإضراب الفعالية الأولى في مجمع النقابات بعد خسارة الإسلاميين واحدة من أهم النقابات المهنية (نقابة المهندسين)، وكان ملحوظاً غياب قاعدتهم الشعبية عن الفعالية وهذا أعطى دفعة تجاه تلبية دعوة النقابات من شريحة كبيرة من المشاركين.
ولتخفيف الإحراج عن الحكومة بعد الإضراب الناجح، بدأ حرك نيابي مساء الخميس تمثّل بتوجيه رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة الدعوة لمجلس النقباء ورئاسة الوزراء لفتح حوار بخصوص مطالب الإضراب، وقد استجاب مجلس النقباء للدعوة التي تم تحديدها السبت.
الحكومة المأزومة غضّت الطرف عن الرسالة التي أوصلتها الحشود في النقابات ولم يكن قد مضى يوم واحد على الإضراب حتى تجاهلته بخطوة اعتبرت تصعيدية، إذ رفعت أسعار الكهرباء والمحروقات وفقاً لآلية التسعير المتبعة كل نهاية شهر في المملكة، وكأن الوضع الداخلي يحتمل جبهة اقتصادية أخرى.

تعرّض مجلس النقباء لضغوطات حول تحرك بعد غد الأربعاء


ساعات قليلة، وبدأت كرة الثلج بالتكوّن. تحركات عفوية غصّت فيها العاصمة مساء الخميس حيث أوقف عدد من المحتجين على تسعيرة المحروقات الجديدة مركباتهم أمام مقر رئاسة الوزراء. ثم بدأت أعداد أخرى من المشاركين بالتوافد تلبية لدعوة بعنوان «صفها واطفيها». وبعد ليلة طويلة في عمّان ومدن أخرى، انفضّ الجمع وحلّ صمت رسمي نهار الجمعة الذي يمثل يوم عطلة نهاية الأسبوع. اقتصرت ردود الفعل بمسيرة انطلقت من بعد الصلاة من أمام المسجد الحسيني وسط عمان، وبعض الوقفات في المحافظات. وبحدود الظهر أوعز الملك (كان خارج البلاد لحضور لقاء دولي لبحث جهود محاربة الإرهاب والتطرف في ألبانيا) للحكومة بوقف العمل بالتسعيرة الجديدة خلال شهر رمضان، لكن مع هذه الخطوة من مؤسسة العرش التي لطالما كان لها تأثير على تهدئة غضب الشارع، لم يلبث المحتجين أن تجمهروا مرة أخرى بعد الإفطار، متمسكين بشعار إسقاط الحكومة.

موعد جديد
أنظار الجميع توجهت نحو النقابات كجهة منظمة قادت تحرك مهم ضد الحكومة. وكانت تصريحات مجلس النقباء على أن اللقاء مع الحكومة برعاية مجلس النواب سيكون على قاعدة سحب قانون الضريبة وإعادة النظر في نظام الخدمة المدنية. اجتماع السبت الذي حضره وزراء ونواب إلى جانب مجلس النقباء لم يفضِ لشيء ملموس، وتم الإعلان عن «وقفة» يوم الأربعاء المقبل بدلاً من الاعتصام، وهذا أثار تساؤلات عن مدى قدرة النقابات لرفع سقفها من سحب قانون الضريبة إلى إسقاط الحكومة تماشياً مع مطالب الشارع.
الحكومة بدت متمسكة بقراراتها ولم تسحب قانون ضريبة الدخل من مجلس الأمة الذي سينعقد خلال شهرين أو ستتم الدعوة لجلسة استثنائية لانعقاده قبل ذلك التاريخ. وبغض النظر عن موقف النقابات، تجمهر الأردنيون لليلة ثالثة في عدة مدن في حركة احتجاجية جمعت هذه المرة حتى الموصوفين بـ«الموالاة». وكان من اللافت حضور نقيب المهندسين الجديد أحمد سمارة في «اعتصام الدوار الرابع» حيث مقر رئاسة الوزراء، الذي بدا أكثر زخماً وتنظيماً من الليالي السابقة على رغم محاولات الأمن منع وصول المتظاهرين.
الملك الذي عاد إلى البلاد، أول من أمس، ترأس اجتماعاً لمجلس السياسات الوطني، داعياً الحكومة ومجلس الأمة إلى أن يقودا «حواراً وطنياً شاملاً وعقلانياً للوصول إلى صيغة توافقية حول مشروع قانون الضريبة، بحيث لا يرهق الناس ويحارب التهرب ويحسّن كفاءة التحصيل، مع إشراك الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني في الحوار للوصول لمقترحات واقعية وممكنة».
مجلس النقباء الذي من الواضح أنه يتعرض لضغوطات حول تحرك بعد غد الأربعاء، إن كان «وقفة» أم «إضراب»، حسم أخيراً موقفه بدعوة لإضراب كبير تشارك به كافة النقابات ومنتسبيها. واصطفت خلف هذا القرار قوى حزبية وشعبية وسيكون صدى نجاح الإضراب لإسقاط الحكومة الأكبر ومكسب للنقابات التي تعود بثقلها للمشهد السياسي.
من جانب آخر، جال وزير الداخلية سمير مبيضين، يرافقه مديرو الأمن العام والدرك والدفاع المدني، على مرتبات قوى الأمن. هذا أمر له دلالة ورسالة لأفراد هذه القوى ممن يشعرون بمشروعية مطالبات المحتجين، عدا أن المحتجين يهتفون لإسقاط أكبر مرجعية في هيكلية المؤسسة الأمنية ليس وزير الداخلية فحسب بل رئيس الوزراء (هاني الملقي) الذي هو وزير الدفاع أيضاً.
أما بعثة صندوق النقد الدولي التي زارت الأردن، فقد غادرت المملكة يوم الخميس مع بدء اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي قرر «الإخوان» مساء أمس بدء النزول إلى الشارع الذي لم تغب عنه منذ اليوم الأول الأحزاب القومية واليسارية. وإن كان رئيس الوزراء قد استحضرهم في اجتماعه مع النقباء، فهو شدد أيضاً على ارتباطه بـ«الصندوق» وبرامجه فيما اعتبره متابعون «لغة غير مسبوقة» من المسؤولين الأردنيين.