غزة | على عكس ما كان متوقعاً، وخلاف ما صرحت به محافل عديدة في السلطة الفلسطينية قائلة إن حكومة وحدة وطنية جديدة ستنشأ من دون مشاركة حركة «حماس» التي يُحمّلها محمود عباس مسؤولية إخفاق حكومة التوافق في إنجاز مهماتها الموكلة إليها، فقد قررت اللجنة التنفيذية، في اجتماع ليل الاثنين ــ الثلاثاء، تشكيل لجنة من أعضائها (قد تكون برئاسة عزام الأحمد) للاتصال مع الفصائل كافة، بما فيها «حماس»، وذلك للتشاور بشأن التوصل إلى حكومة وحدة خلال أسبوع من تاريخ القرار.


عملياً، تأتي هذه الخطوة في إطار «وضع العراقيل أمام حماس التي تسعى إلى تشكيل كيان فلسطيني مستقل في قطاع غزة، وإقامة دولة ذات حدود يعترف بها دولياً، في سبيل فتح المعابر وإقامة الميناء وتجديد بناء المطار»، تقول مصادر مقربة من رئاسة السلطة، مضيفة إن «تقارير موثقة وصلت إلى الرئيس عباس تحكي عن وضع الحجر الأساس لإقامة دولة غزة، في ظل توافد المسؤولين الأوروبيين إلى القطاع خلال الأسابيع الماضية».
وعلى أن «حماس» لا تصرح علناً بما يدور بينها وبين الأوروبيين، فإنها تترك مساحة كبيرة لاتهامات السلطة وشكوكها، لذلك ترى المصادر نفسها أن «ما لا تعلمه حماس، أو تعلمه وتتجاهله، هو أن الوفود الدبلوماسية التي تلتقي بها وتظن أن لقاءاتها معها سرية، هي نفسها تلتقينا في زيارات ثنائية أخرى وتنقل لنا (السلطة) أخبار الحركة وخططها المستقبلية، لأن رام الله ترتبط بالعواصم الأوروبية ارتباطاً وطيداً».
برغم ذلك، لا تخفي تلك المصادر أنه «لا يمكن تجاوز حماس بأي حال من الأحوال، لكن إسرائيل تسعى إلى أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع السلطة فإنها يمكنها التفاهم مع حركة ذات شعبية ولها قرار سياسي في غزة، وخاصة في ظل استعداد حماس لإبرام أي اتفاقات وإن كانت بصورة غير مباشرة، لكنها تعلم أن الأرضية الشعبية لن تقبل أي اتفاق لا يضمن رفع الحصار وإعادة الإعمار».
يتقاطع بعض حديث رام الله مع ما يصرح به مصدر سياسي في «حماس» في غزة، إذ يؤكد أن الحركة «باتت في موقع قوة، وهي تعي تماماً كما يعلم عباس أن زمن انكسارها الذي راهن عليه قد ولى، لذلك هو يسعى إلى احتوائها، لا من باب اقتناعه الشخصي أو حتى منصبه الحزبي، ولكن كي لا يخسر ما تبقى له من تأييد شعبي، في حال نجاح حماس في إدارة دفة السياسة وحدها وتحقيق ما لم يقدر عليه خلال عشرين عاماً من المفاوضات».
وكان وزير الخارجية في حكومة الوفاق ــ التي هي بحكم تسيير الأعمال الآن ــ رياض المالكي، قد أعلن خلال مؤتمر مع وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس خلال زيارة الأخير لرام الله، أن عباس قرر «تشكيل حكومة جديدة ستكون ملتزمة بمبادئ اللجنة الرباعية»، وفي مقدمها الاعتراف بإسرائيل واتفاقات التسوية معها، وهو ما ترفضه «حماس» من جانبها وفق مواقفها المعلنة.
كذلك نقل فابيوس عن «أبو مازن» تعهده بألا تشارك «حماس» في الحكومة الجديدة التي سيشكلها أيضاً رامي الحمدالله. لكن عضو «اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير»، صائب عريقات، قال في وقت لاحق إن الحكومة الجديدة «تمثل انعكاساً لكل مكونات الشعب الفلسطيني... الحكومة ستتشكل من حماس ومن جميع الفصائل». وهو ما رد عليه عضو المكتب السياسي في «حماس»، محمود الزهار، الذي تساءل عن «معنى حكومة وحدة وطنية لا تشارك فيها حماس، ولا الجهاد الإسلامي». حتى الآن، فإن «حماس» تشدد على أنه لا طرح معيناً لهذه الحكومة ولا مشاورات جرت معها بشأنها «حتى تعلن الحركة قرارها بالمشاركة أو الامتناع»، وفق القيادي يحيى موسى، الذي أكد أنه «عندما تتضح شروط هذه الحكومة، سوف تتخذ حماس قرارها».
ولا شك أن «حماس» لن تسمح بتشكيل أي حكومة من دون موافقتها عليها أو على الأقل مصادقة المجلس التشريعي ــ الذي تمثل الأغلبية فيه (60%) ــ برغم أنه غير مكتمل النصاب حالياً، وذلك من واقع تجربتها مع «الوفاق». يعقب موسى: «حكومة الوفاق كانت حكومة أبو مازن، وهي عمقت الانقسام نتيجة تعطيل عباس قراراتها»، مضيفاً: «الإخفاق لا يلحق حكومة التوافق، بل عباس الذي أحبط كل الشعب الفلسطيني ولا يزال يدمر المشروع الوطني... إذا لم يغير عباس نهجه، فإن الإخفاق سيكون مصير أي حكومة جديدة». أما حركة «الجهاد الإسلامي» فحسمت أمرها وأعلنت أنها لن تشارك في الحكومة المقبلة كما سابقاتها. وقال القيادي في الحركة أحمد المدلل إنهم لا يزالون على موقفهم بالتمنع عن «المشاركة في أي حكومة من إفرازات أوسلو»، مستدركاً: «يجب أن يكون هناك توافق بين الفصائل وألا يتخذ أي طرف خطوة انفرادية في أي موضوع يهم الفلسطينيين».
في سياق آخر، قالت مصادر مقربة من رئيس الوزراء السابق سلام فياض، إن «عباس يعيش حالة من الخوف على مكانته، وهو يعيش هواجس كثيرة قد لا تكون حقيقية، لذلك تظهر قراراته متخبطة نوعاً ما»، وذلك تعقيبا على قرار النائب العام في السلطة الحجز على أموال مؤسسة «فلسطين الغد» التي يترأسها فياض، وذلك في إطار التضييق المستمر على الرجل بعد تنحيته عن رئاسة الوزراء منذ عامين.
وجاء الإغلاق بتهمة «تبيض الأموال»، فيما قالت مصادر أخرى إن فياض متهم بالتواصل مع القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان وتلقي أموال إماراتية، كما تلمح إلى أن الأول ضم إلى مؤسسته عدداً من الشخصيات البارزة التي أُقصيت من مواقعها في السلطة، كيوسف الزمر الذي كان مراقباً عاماً لوزارة المالية في عهده، وهو الآن مدير للمشاريع في «فلسطين الغد»، لكن المصادر المقربة من فياض لمحت إلى خوف عباس من نية فياض الترشح للرئاسة في حال إجراء انتخابات.