القاهرة | لم ينته المعارضون من إبداء اعتراضاتهم على الحبس الاحتياطي لمدد طويلة والقبض العشوائي على الشباب والتحقيق معهم خارج إطار القانون، حتى «طورت» الأجهزة الأمنية في مصر أسلوب تعاملها، فانتهجت طريقة الخطف من الشوارع أو البيوت أو الجامعات. يختفي هؤلاء الأشخاص ليوم أو عدة أيام، ثم يظهرون في أماكن احتجاز شرطية أو كمتهمين خلال جلسات عرض على النيابة، أو تظهر صور جثث كنتيجة لحملات الشرطة في مكافحة الإرهاب، مثلما حدث مع إسلام عطيتو ــ الطالب في كلية الهندسة ــ أو حتى لا يظهرون أبداً، مثل الأصدقاء الثلاثة: إسراء الطويل وعمر محمد وصهيب سعد، المختفين منذ مطلع الشهر الجاري، ولم يظهر أثر لهم حتى الآن.


ففي مساء الأول من حزيران، خرج الأصدقاء الثلاثة للعشاء ولم يعد أي منهم بعد، مع تزايد أنباء عن حملة اعتقالات واسعة شُنت في ذلك اليوم. انتاب القلق عائلات الثلاثة وخاصة أنهم بعيدون كل البعد عن السياسة وأنشطتها منذ عام 2012. توجه الأهالي إلى قسم المعادي، جنوب القاهرة، للسؤال عنهم، وهناك أكد أمناء الشرطة في القسم أنهم دخلوا القسم ضمن حملة الاعتقالات، ولكن لا أثر لوجودهم في السجلات، ولا أحد يعلم أين هم.

وثّقت «الحرية للجدعان»
أكثر من 160 حالة خلال نيسان وأيار فقط

في فجر اليوم التالي، تلقت والدة أحدهم ــ صهيب ــ مكالمة هاتفية من رقمه، لكن أحداً لم يرد، ثم أغلق هاتفه، الأمر الذي تكرر مع آلاء شقيقة إسراء، وهو ما أوحى للعائلات بأن أبناءها في حوزة جهاز «الأمن الوطني» من دون تحديد مكانهم.
طالب آخر عمره 17 عاماً تعرض للاختفاء القسري لمدة أربعة أيام في الإسكندرية، ويحكي لـ«الأخبار» أنه احتجز في قبو مظلم داخل أحد مقار «أمن الدولة» برفقة أربعة أشخاص، بعدما قبض عليه وهو في طريق عودته إلى المنزل. وقال الطالب ــ الذي رفض نشر اسمه خوفاً من الملاحقة الأمنية ــ إنه «داخل القبو كان يجري استدعاؤنا بانفراد للتحقيق، ثم يعود الشخص من التحقيق وهو فاقد الوعي من شدة التعذيب». وفي تلك الأيام، شنت عائلة هذا الطالب حملة إعلامية كبيرة للمطالبة بالكشف عن مكانه، ما جعل الضباط يلقون به على إحدى الطرق الصحراوية شبه فاقد للوعي بعدما تعرض للضرب المبرح.
وحقيقة، فإن التصعيد في أسلوب التعامل مع الشباب حتى لو كانوا من غير جماعة «الإخوان المسلمين» لا بد أن يليق بوزير الداخلية (الجديد) مجدي عبد الغفار، صاحب الخلفية الطويلة من العمل في جهاز «أمن الدولة»، وهو تولى منصبه في شباط الماضي، أي منذ أربعة أشهر فقط. وخلال الشهرين الماضيين وحدهما، وثقت حركة «الحرية للجدعان» ما يزيد على 160 حالة اختفاء قسري خلال نيسان وأيار فقط، لعل أبرزها للطالب إسلام عطيتو الذى اختفى ليوم واحد قبل أن تنشر الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع «فايسبوك» صورة جثته، مصحوبة بخبر قتله في تبادل لإطلاق النار مع إرهابيين في أحد الأوكار الصحراوية. ولكن فيديو ظهر للطالب وهو يخرج من الجامعة بصحبة رجلين من الأمن في زي مدني يكذب الرواية الرسمية ويظهر أنه اعتقل من جامعته.
واعتمد توثيق «الحرية للجدعان» على الحالات التي يمر على اختفائها 24 ساعة دون توجيه اتهامات أو تحقيق رسمي، لأن الدستور ينص في مادته 54 على «عدم جواز القبض على أي شخص أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب يسلتزمه التحقيق»، وعلى أن يبلغ «فوراً» كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويُمكن من الاتصال بذويه ومحاميه «فوراً»، ولكن كلمة فوراً الواردة في نص المادة مرتين، قد تصل إلى أسابيع عند الأمن المصري.
«المجلس القومي لحقوق الإنسان»، التابع للحكومة، اعترف قبل يومين فقط، بأن الاختفاء القسري أصبح «ظاهرة»، وهذا تحول لافت في طريقة تعامل المجلس الذي يتبع للحكومة مع الظاهرة التي استشرت خلال الأسابيع الأخيرة بحق ناشطين سياسيين من مختلف التيارات المناهضة لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما تظهر إحصائية «الحرية للجدعان»، فضلاً عن 50 شكوى من عائلات وأفراد يقولون إن أبناءهم اختفوا منذ مدة.
ويقر جورج إسحاق، وهو عضو المجلس المذكور، بأن 66 حالة اختفاء من الحصر المقدم إليهم «تنطبق عليها المعايير الدولية للاختفاء القسري، بالإضافة إلى 64 حالة احتجاز دون وجه حق، و31 حالة لم يتمكن المجلس من التعرف إلى ظروف اختفائها».
ووفقاً للإجراءات القانونية ولائحة المجلس الداخلية، فإن المجلس سيخاطب النائب العام بصفته المسؤول الأول عن متابعة وكشف مصير المختطفين قسرياً، بالإضافة إلى مخاطبة وزارة الداخلية باعتبارها جهة الاحتجاز القانونية، كما يجب إرسال مخاطبات إلى الجهات الأمنية المختلفة من أجل ضرورة تطبيق القانون بإبلاغ أسر المحتجزين بأماكن احتجازهم ومنع التحقيق معهم إلا بحضور المحامي.
كذلك قال عضو المجلس، ناصر أمين، إن التحقيق مع أي متهم يجب أن يكون بالقانون وبضوابط محددة، مشيراً إلى أن عرض المتهم على جهات التحقيق دون وجود محاميه يهدر حقه في التعاطي في المحاكمة العادلة وهو «إخلال بحقه في الأمان الشخصي». كما ذكر أن مكتب الشكاوى بالمجلس «يولي أهمية كبيرة بالقضية خلال المدة الحالية، على أن يكون عرض نتائج التواصل مع الجهات المختلفة بالدولة مقدماً للرأي العام».
برغم ذلك، فإن الإجراءات التي أعلنها «المجلس القومي» تأتي متناقضة مع السياسة التي ينتهجها الوزير الآتي من خلفية اعتمدت التعذيب والإخفاء القسري سلاحاً في انتزاع الاعترافات من المواطنين. فهل ينسى عبد الغفار ما تعلمه في مدرسة أستاذه حبيب العادلي، أم أن «الداخلية» عادت إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير؟
إلى ذلك (الأخبار)، قضت محكمة جنايات القاهرة، أمس، بمعاقبة ضابط الأمن المركزي المتهم بقتل عضو حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي»، شيماء الصباغ، بالسجن المشدد 15 عاماً، وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة، على أن الحكم قبل للطعن.