بغداد | لم يكن سقوط الموصل في العاشر من حزيران وليدة لحظة فجائية، بل كان عملاً متكاملاً ومنظماً من قبل تنظيم «داعش» أسس بعده لسقوط محافظة نينوى كاملةً بيد التنظيم وتبعه اجتياح لمدن ومحافظات العراق حتى لمس الخطر العاصمة بغداد.

بدأت قصة سقوط الموصل يوم الرابع من حزيران العام الماضي. يومها اقتحمت قوة خاصة من خلية الصقور الاستخبارية التابعة لوزارة الداخلية منزل الرجل الثاني في «داعش»، عبد الرحمن الببلاوي، غربي الموصل وأردته قتيلاً.

مقتل الببلاوي كان شرارة «غزوة» التنظيم الذي اقتحم على أثرها المدينة في السادس من حزيران. الساعة الثالثة فجراً يبدد أزيز الرصاص وصوت الانفجارات سكون ليلة الجمعة 6 حزيران، في مناطق غربي الموصل (حي 17 تموز وحي النجار والرفاعي ومشيرفة وحاوي الكنيسة)، التي دائماً ما كانت تشهد اشتباكات بين عناصر التنظيمات المتطرفة والقوات الأمنية، لكن هذه المرة تمكن المسلحون الذين لم يتجاوز عددهم 350 عنصراً من السيطرة على تلك المناطق بعد اقتحامها العديد من الثكنات الأمنية.

لا تزال أسباب سقوط المدينة مجهولة
وغامضة حتى اللحظة

ومع ساعات الصباح الأولى لتلك الليلة، وقعت غالبية مناطق غربي الموصل، ومنها (الهرمات والإصلاح الزراعي وحي التنك والحي الصناعي وسوق المعاش وحي اليرموك)، وحدث كل هذا بعد انسحاب قوات الشرطة الاتحادية والمحلية بعد اشتباكات عنيفة مع عناصر «داعش»، وتكوين خط صد أولي خلف تلك المناطق.
انتشر مقاتلو التنظيم على أسطح مناطق غربي الموصل بكثافة، ويقول سكان محليون في تلك المنطقة إنهم فجعوا يومها لمّا شاهدوا وجوه أولئك المقاتلين «ذوي لحى طويلة يرتدون الأفغاني وهم متعددو اللهجات واللغات».
اكتفى التنظيم الذي كان صاحب المبادرة في الهجوم بما حققه في السادس من حزيران، بينما حشدت القوات الأمنية عناصرها لتكوين خط صد امتد على طول الجانب الغربي من المدينة، عازلة تلك المناطق عن مركز المدينة الذي لا يفصلها عنه سوى خمسة كيلومترات.
وفيما بدأت العوائل بالنزوح من مناطق غرب المدينة باتجاه مركزها وشرقها في الجانب الايسر بعدما أبلغهم التنظيم بضرورة مغادرة بيوتهم والمنطقة باعتبارها منطقة عسكرية، بدأت الفرقة الثانية الجيش العراقي بقصف المباني التي سيطر عليها عناصر التنظيم في تلك المناطق.
في اليوم التالي 7 حزيران، يصل مدينة الموصل قائد القوات البرية علي غيدان ومعاونه عبود كنبر لقيادة المعارك، ومحاولة تخليصها من سيطرة التنظيم على أجزائها الغربية، في الوقت الذي بدأ فيه «داعش» يعزز عناصره في الأحياء المحتلة بالموارد البشرية والأسلحة التي استولى عليها من مقر مديرية شرطة أم الربيعين التي سيطر عليها بعد اقتحامها بسيارة مفخخة، فيما بدأت الطائرات المروحية تحلق في السماء لتقضف أهدافاً محددة في تلك المناطق.
تتسارع الأحداث، ليخرج في ليلة السابع من حزيران محافظ نينوى (حينها) أثيل النجيفي وقائد الشرطة الاتحادية مهدي الغراوي على وسائل الإعلام لطمأنة الأهالي، إلى أن القوات الأمنية ستتقدم في صباح اليوم التالي لاستعادة المناطق المغتصبة، لكن ما حدث كان العكس.
يوم 8 حزيران شهدت مجريات المعركة تغييرات بشكل سريع. فجأة ظهرت مجاميع في مناطق متعددة في المدينة، من الخلايا النائمة، لكنهم ليسوا بـ«داعش»، تبيّن في ما بعد أنهم تنظيمات سرية تابعة لحزب البعث السابق، غالبيتهم من الضباط ومنتسبي الحزب سابقاً، تحت عنوان «جيش الطريقة النقشبندية»، وبذلك اليوم انكشف وجه الحلف «البعثوداعشي». تخطيط واجهه تخبط من قبل المسؤولين العراقيين. وفي لحظة المعركة، أقدمت الإدارة العراقية على إقالة مدير شرطة نينوى وتعيين خالد الحمداني بدلاً منه بالتزامن مع استكمال الفرقة الثانية في الجيش العراقي نصب مدافعها على طول الضفة الشرقية لنهر دجلة لقصف عناصر التنظيم غربي المدينة. أما المحافظ فسعى إلى تشكيل لجان شعبية لصد الهجوم، في محاولة لإظهار اهتمامه بالمدينة ووقوفه ضد الجماعات الإرهابية. تركت الشرطة الاتحادية غالبية ثكناتها العسكرية في المدينة، ولا سيما القريبة من أجزائها الغربية لتتقوقع داخل المقارّ الكبيرة جنوبيها، فتركت خط الصد الأولى في محاولة لاستغلال الوقت، عسى أن تصل تعزيزات عسكرية. مع صبيحة يوم 9 حزيران، بدأت غالبية المسؤولين الحكوميين بنقل عوائلهم خارج الموصل، ولا سيما من أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس المحافظة وكبار القادة الأمنيين، ما أعطى انطباعاً لدى السكان المحليين بأن انهيار الأمن بات وشيكاً، خصوصاً مع تقدم التنظيم في عدة مناطق دون حلول تذكر للقوات الأمنية.
ومساء ذلك اليوم عند الساعة الثامنة مساءً، اندفع عناصر «داعش» نحو مركز المدينة بعد انسحاب القطعات العسكرية دون قتال يذكر، حتى تمكنت من السيطرة بعد ساعة تقريباً من تلك اللحظة على مقر عمليات نينوى ومعسكر الغزلاني ومطار الموصل، ثم سيطر العناصر على مبنى الحكومة المحلية واقتحام مديرية شرطة نينوى وسجن التسفيرات وتحرير آلاف المعتقلين الذين يتهم غالبيتهم بقضايا إرهابية، وهذا كله في الجانب الأيمن من المدينة. وعلى الساعة الثانية عشرة من ليلة العاشر من حزيران، تمكن التنظيم من السيطرة على الموصل بأكملها.
جميع التقارير المحلية والدولية أشارت إلى أن هروب القادة الأمنيين وتورط بعض المسؤولين، سواء في الجيش والشرطة أو حكومة نينوى المحلية، وتعاون جهات دولية، كل ذلك أدى إلى سقوط المدينة الذي لا تزال أسبابه مجهولة وغامضة حتى اللحظة، لكن في ذات الوقت تشير جميع أصابع الاتهام إلى اثيل النجيفي بقيادته مؤامرة كبيرة على المدينة وحكومة المركز.