دمشق | تعاني سوريا اليوم دماراً هائلاً ألحقته الحرب الدائرة في البلاد، التي تشارف على إتمام عامها الرابع، في كلّ بناها الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ولم يقتصر الدمار على بيوت السوريين وممتلكاتهم الخاصّة والعامّة، بل تعدّاه ليطاول حتى الآثار. وكمثل كلّ القطاعات الاقتصادية فإنّ قطاع السياحة كان له نصيب كبير من الضرر، الأمر الذي أدّى إلى تحوّل قرابة ألفي دليل سياحي (عدد الأدلاء المرخّصين قبل الحرب) إلى عاطلين من العمل.


في أحد شوارع العاصمة دمشق، يفترش فراس الرصيف أمام مجموعة من الكتب يبيعها للحصول على قوت يومه، بعدما فقد عمله كدليل سياحيّ، استفاد خلاله من اتقانه لغات عدة، ومن معرفته الجيدة بالمواقع الأثريّة وتوزّعها على امتداد الجغرافية السورية. يقتات فراس اليوم بذكرياته، ويعيش الحسرة على المواقع الأثريّة التي يحفظها عن ظهر قلب، كلما رأى صورها على شاشات التلفزة مترافقة مع أخبار الموت والدمار. «سوريا غنيّة بتراثها وتاريخها، وتضمّ آثاراً ترجع إلى حقب تاريخيّة مختلفة، وهي لطالما كانت عامل جذب للسيّاح. غير أنّ الحال تغيّرت اليوم، وأصبحت سوريا مكاناً للموت وفقدان الأمن، ما يمنع السيّاح من التفكير في زيارتها»، هذا ما يقوله فراس الذي اختار بسطة الكتب بديلاً عن عمله لقربها من الجو الثقافي، ولأنها تؤمّن له نوعاً من التواصل مع الناس ولا تحتاج إلى رأسمال كبير، وخاصّة بعدما عجز عن السفر.
إضافةً إلى الأدلاء السياحيين الألفين المرخّصين، كان قرابة 300 إلى 400 شخص ينشطون في العمل كأدلاء سياحيين، غير أن هؤلاء جميعاً غدوا اليوم عاطلين من العمل، حالهم كحال فراس، باستثناء قلّة قليلة منهم وجدت فرصة للعمل مع بعض الوفود العراقية والإيرانية المستمرّة في زيارة الأماكن المقدّسة برغم الحرب. يوضح الدكتور عماد الدين عسّاف (دكتور في كليّة السياحة في جامعة دمشق) لـ«الأخبار» أنّ جميع الأدلاء السياحيين عادوا لأعمالهم السّابقة، ومن كان منهم لا يمتلك حرفة أو شهادة جامعية فقد اضطر للعمل بأعمال بسيطة لا تمتّ للسياحة بصلة. ويذكر، عساف، أنّ آخر وفد سياحيّ رافقه يعود لتاريخ 23 نيسان 2011 «أي منذ الأشهر الأولى لاندلاع الأزمة، حيث أوقفت غالبية الشركات السياحية رحلاتها إلى سوريا برغم أنّ الأوضاع الأمنيّة آنذاك لم تكن بهذا السوء». ومن خلال عمله في كليّة السياحية يؤكّد الدكتور عساف، أنه يعمل على تأهيل جيل جديد، وتزويده الخبرات التي يملكها، آملاً «أن يتمكّن هؤلاء الشباب من العمل مستقبلاً حال وقوف الحرب، وتحسّن الظروف الأمنية». غير أنّه لا يخفي قلقه، برغم إيمانه بإمكانات سوريا ومستقبلها، «فغالبية الأدلاء السياحيين غادروا البلاد، ولا شيء يضمن عودتهم بعد استقرار الأوضاع»، الأمر الذي يجعله عاقداً الأمل على الجيل الجديد من طلّابه الذين يرى أنّهم مظلومون اليوم بحكم عدم قدرتهم على القيام بجولات عمليّة، ولا التعرّف إلى وجه سوريا الحقيقيّ، و«موادهم العمليّة تقتصر على الصور والأفلام، وجولات في المناطق المحيطة بدمشق في أحسن الأحوال» على حدّ تعبير عساف.
من المعروف أنّ الأدلاء السياحيين في سوريا لم يمتلكوا يوماً ضمانات عمل أو تعويضات، وجلّ ما استطاعوا الحصول عليه هو جميعة تأسست عام 1996 اهتمّت بإقامة النشاطات الاجتماعية، غير أنّ هذه الجمعيّة لم تعمّر طويلاً، إذ جرى حلّها بقرار جائر من وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل عام 2008، ولم يبق للأدلاء غير غرفة السياحة التي لم تقدّم لهم خدمات تذكر باستثناء التأمين الصحّي الذي تراجعت فاعليته لاحقاً بحكم ما لحق بالأدلاء من بطالة.