يُصنّف فشل الإدارة المالية للملك الإسباني فيليب الثاني على أنه من بين «الألمع» تاريخياً. أربع مرات خلال حكمه، وصل البلد المتوسّطي إلى حالة عدم القدرة على السداد، أو ما يدرج على تسميته، الإفلاس. ما اضطره إلى التفاوض حول عقود الاقتراض وكلفة الاستدانة.

كان هذا الفشل حقيقة تاريخية دامغة، حتى الأمس القريب.، حيث خلصت دراسة نشرتها جامعة «زوريخ» في عام 2011 (من إعداد هانز فوث)، إلى أن العرش الإسباني خلال المرحلة المذكورة، بين 1560 و1598، كان يتمتع بالمسؤولية المالية الكافية للتحوط من أي إفلاس، وأن ما قصم ظهر المملكة فعلياً كان فشل طموحات اجتياح إنكلترا وانهيار الأسطول البحري الإسباني (Armada) نتيجة سوء إدارة المعركة، وصعوبة العوامل الطبيعية والاستراتيجية الدفاعية البريطانية.

منذ القدم ومروراً بمآثر عائلة هايسبورغ الإسبانية في القرن السادس عشر، يتضح أن لكلّ مرحلة ملكها الباذخ، المستبدّ أو بكلّ بساطة السيّئ الحظ؛ وفي أسوأ الأحوال قد تجتمع هذه الصفات الثلاث في شخص واحد.
في هذا الزمن تُمثل السعودية المثال الحي لمملكة تعيش إحدى أكثر مراحلها الحساسة منذ تكوينها بداية القرن العشرين. خلال السنوات العشر الماضية شهدنا تخبّط السعودية للحفاظ على نفوذها الإقليمي، وتراجعها استراتيجياً في أكثر من ساحة وصولاً إلى ضعف علاقاتها مع حليفتها التقليدية، الولايات المتّحدة، على خلفيات السياسات الإقليمية والنفوذ العالمي في قطاع الطاقة.

الترف الذي تمتع
به آل سعود في السابق لم يعد ممكناً

وقد مثّل تزامن وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز مع انهيار دراماتيكي في أسعار النفط الذي يُمثّل الحجر الأساس في بيت آل سعود، معطى جديداً رفع منسوب حساسية المرحلة.
ولكن كلّ ذلك يبقى ثانوياً أمام المعطى الأساسي، الذي يُبقي آل سعود في سدّة الحكم: المال السياسي الذي يُفرز من إيرادات بيع النفط.
لم يتأخر الملك الجديد في استخدام هذا المال لدعم انطلاقته. بحسب تقدير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» أخيراً، فإن هذا الإنفاق السياسي الذي يتنوع بين المنح والعطاءات الاجتماعية والاستثمارات يبلغ 32 مليار دولار.
يأتي هذا الإنفاق في سياق طبيعي في السعودية. هناك، الحكومة مسؤولة عن قرابة ثلثي الاستثمارات الإجمالية وتبذخ في إنفاقها الاجتماعي لكي تحافظ على حد أدنى من شرعية حكمٍ يقوم على تأويلات دينية غريبة تصل إلى حد منع المرأة من قيادة السيارة.
وخلال مختلف المفاصل الحساسة في المنطقة، تمكّن الحكم من استثمار هذا المال لدعم شرعيته. في حمأة التحولات العربية في عام 2011، ومباشرة بعد سقوط الرئيسين، التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، أطلق الملك عبد الله برنامجاً إنفاقياً بقيمة 130 مليار دولار. وفقاً لتقرير الصحيفة البريطانية، الذي يستند إلى آراء خبراء ماليين، سياسيين ومصرفيين، فإن «سخاء الملك الراحل ساهم في شراء الاستقرار الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة من حكمه».
لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه حالياً هو مدى القدرة على الحفاظ على هذا السلام الداخلي وعلى الوضعية المالية العامة، في كنف دولة قمعية بامتياز، في ظلّ تراجع المداخيل النفطية، وبالتالي عدم القدرة على صياغة برامج سخية كتلك، التي سادت في مراحل كان النفط فيها عند 100 دولار للبرميل.
من هنا تنبع التحديات الحقيقية أمام حكم الملك الجديد، وهي مالية بطبيعتها.
بحسب تقرير نشره صندوق النقد الدولي في كانون الثاني الماضي، على خلفية تدهور أسعار النفط، السعودية متجهة لتكبد خسارة تبلغ 138 مليار دولار، عبارة عن إيرادات غير محققة، في عام 2015. يعادل هذا المبلغ ربع الناتج المحلي السعودي تقريباً.
وفي ورقة أعدها مصرف Citi أخيراً، فإن السعودية ستخسر قرابة ثلث إيراداتها النفطية هذا العام بسبب تراجع الأسعار.
يتوازى هذا التراجع المالي الحاد مع معطيين آخرين مهمين. الأوّل محلي الطابع، وهو التحدي الماثل أمام الاقتصاد السعودي لخلق أكثر من مليوني فرصة عمل خلال السنوات العشر المقبلة، وبالتالي امتصاص غضب شبابي محتمل ضد عدم فاعلية سياسات التوظيف. حالياً تطبق المملكة سياسة تعليمية طموحة في قلبها تصدير الطلاب لكسب العلم في الجامعات الغربية، وتحديداً في أميركا الشمالية، ولكن استيعاب هؤلاء يبقى تحدياً قائماً.
المعطى الثاني المهمّ هو الواقع الإقليمي الذي يفرض على الحكم السعودي انتهاج سياسات تعزّز نفوذه عبر الإنفاق السخي. ولهذه الوضعية أكلاف عالية ليس سهلاً الحفاظ عليها في ظلّ الضيق الحالي، وليس وارداً التخلي عنها، لأن خسارة الأوراق الإقليمية تعني انتهاء النفوذ السعودي، إذ تماماً كما يتبنى الحكم سياسة دعم لأسعار الطاقة بقيمة سنوية تعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي ـ وهو ثاني أعلى معدل إقليمياً بعد إيران ـ فهو يدعم الحلفاء لضمان الولاء.
في المبدأ، السعودية قادرة خلال المدى المنظور على احتواء تراجع أسعار النفط وضعف تدفق الأموال البترولية إلى خزنتها. أهم معطى على هذا الصعيد هو الاحتياطات الأجنبية التي راكمتها خلال سنوات النفط الغالي، وتفوق هذه الاحتياطات 700 مليار دولار وتغطّي تقريباً ثلاث سنوات من الاستيراد؛ بمعنى آخر، إذا توقفت العملات الصعبة عن التدفق إلى خزينة آل سعود فإن العائلة المالكة قادرة على ضمان تمويل الاستيراد لتأمين السلع الأساسية ـ طبعاً في ظلّ ظروف مثالية ـ طوال الفترة المذكورة.
ولكن في المقابل، فإن الوضعية المالية للسعودية تُعد من بين الأسوأ بين بلدان مجلس التعاون الخليجي. وفقاً لتقرير صندوق النقد نفسه، فإن المملكة ستعاني عجزاً من موازنتها يقارب 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015، وهو ضعف معدل العجز المتوقع أن تسجّله البلدان الستّ التي تؤلف هذا المجلس النفطي. وللمقارنة، فإن هذا العجز يعادل ثلاثة أضعاف العجز الإيراني المرتقب هذا العام، وسيُسجّل بعدما كان السعودية بالكاد حقّقت موازنة بفائض بسيط العام الماضي.
ويعود هذا الضعف، إلى اعتماد السعودية على النفط بالدرجة الأولى لتمويل احتياجاتها. فتوازن ماليتها العامة لا يتحقق إلا بسعر للنفط يفوق 80 دولاراً. أضف إلى ذلك الحاجات الإنفاقية الناجمة عن البرامج الاجتماعية الطموحية لـ «ضمان الاستقرار» وتكبر كرة الثلج... أو بالأحرى كرة النفط.
واضح أن السعوديين يتعاطون بواقعية شبه أميركية مع التطورات الأخيرة التي طرأت على وضعيتهم في سوق النفط العالمية. وقد فسّروا في أكثر من مناسبة أن موقفهم حالياً في سوق النفط، نابع من خشيتهم من خسارة حصص سوقية لصالح الولايات المتحدة والمنتجين الجدد. لذا فهم يُفضلون خسارة القليل الآن عوضاً عن خسارة اللعبة كلياً بعد حين.
وربما يتخطى سعر برميل النفط عتبة 100 دولار خلال أقل من عامين نتيجة تراجع الاستثمارات حالياً. غير أن الترف الذي تمتع به آل سعود في السابق لم يعد ممكناً، وهاجسهم اليوم يجب أن يتخطى إنتاج النفط عالمياً والمنافسة الأميركية. فهم فشلوا حتى الآن في التأسيس لبيئة اقتصادية تحضن التخصص وتخلق فرص العمل. هذا الفشل قد يكلّف العهد الجديد الكثير، وقد يقرّب تجربة الملك سلمان من تجربة الملك فيليب الثاني.