مقالات للكاتب

سعد الله مزرعاني

السبت 29 آذار 2025

شارك المقال

الإرهاب وشريعة الغاب


عندما يُقال «قرار دولي» فهذا يعني، مواربة، إنه قرار غربي. وعندما نقول هو «قرار غربي»، فهذا يعني، ضمناً، إنه قرار أميركي. هذا بشكل عام، وبنسبة قد بلغت، منذ تعطيل مجلس الأمن ومجمل مؤسسات الأمم المتحدة بما فيها المؤسسات الإغاثية، حوالى 90% على الأقل.
عند الانتقال إلى الشرق الأوسط عموماً، والمنطقة العربية منه خصوصاً، يُضاف لاعب رابع إلى هذه المعادلة. «القرار الدولي» هنا، يكون، بالضرورة، غربياً. ثم إنه، بهذه الصفة، هو بالضرورة أيضاً، أميركي. وبوصفه كذلك، فهو حتماً، إسرائيلي!

لقد عطَّل الفيتو الروسي والصيني، مجتمعين أو منفردين، قدرة واشنطن على تسخير مجلس الأمن لأغراض سياستها الخارجية وأهدافها. وهي سياسات ذات امتداد أخطبوطي، لا ينجو من سطوته، على تباين طبعاً في التأثير، أيُ بلد في العالم. لم يكن الأمر على هذا النحو في فترة «الحرب الباردة» وحتى قُبيل انهيار الثنائية القطبية الأميركية السوفياتية لمصلحة واشنطن. طوال ثلاثة عقود تقريباً، استأثرت واشنطن بمؤسسات الأمم المتحدة وسخّرتها في خدمة أهدافها بنسبة هائلة. بدأ يتغيّر هذا الوضع مع نهوض روسيا بقيادة الرئيس بوتين، إذ خطت موسكو خطوات مهمة وباتت، مرة جديدة، قوةً كبرى ذات قدرة على الاعتراض والتأثير، في حقول متعددة، على المستوى الدولي.

اقترن ذلك، من قبل قيادتها، برفع شعار رفض التفرّد الأميركي بإدارة السياسة الدولية. تفاعل وتقاطع موقفها هذا مع مواقف دول كبرى ناهضة أبرزها جمهورية الصين الشعبية التي استمرّ نظامها محتفظاً بعدد من السمات الاشتراكية في السياسة والاقتصاد، وبالتالي في العلاقات الداخلية والدولية. نشأ تكتل «البريكس» قوة مؤثرة بكل المقاييس. احتلت روسيا الموقع الثاني، بعد واشنطن، في تطوير الأسلحة وتصديرها. أزاحت بكين طوكيو وبرلين لتحتل المركز الثاني في حجم الاقتصاد، بعد واشنطن، وتصبح مصنع العالم والمنافسة على المركز الأول، بما في ذلك الحقول الأكثر طليعية وحداثة كالاتصالات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.

أدت هذه المستجدات إلى توليد شعور بخطر داهم لدى واشنطن. ردّ فعل الديموقراطيين كانت تقليدية لجهة المجابهة بالوسائل العسكرية والأمنية والاقتصادية المعتادة. اختلف الأمر مع ترامب صاحب شعار «أميركا أولاً». وهو شعار متعسّف، يمارس على طريقة «أنا أعمى ما بشوف!». سمة الترامبية الانعزال والعنصرية والفرض والتوسع الجامح والتهديد والمقاطعة والحصار... من دون تفريق، تقريباً، بين عدو وصديق! أمّا أهدافه المعلنة، فهي تقليل التزامات إدارته والنفقات من كل نوع (من الـUSAID إلى الأمم المتحدة؛ تعظيم النفوذ والقوة والأرباح والخوَّات؛ اعتماد ثنائية الجمع ما بين الارتداد إلى الداخل والتوسع في الخارج بكل الطرق؛ إحاطة نفسه كقائد «عظيم» بكتيبة من كبار أثرياء الولايات المتحدة الأميركية وأكثرهم جموحاً وطموحاً).

مرة جديدة الشرق الأوسط، أيضاً، في عين العاصفة ترامبياً. بعد مغامرات وخيبات غزو واحتلال أفغانستان والعراق من قبل بوش الابن، في مطلع القرن، والاتفاقات «الإبراهيمية» في ولايته الأولى، يخوض ترامب معركة الشرق الأوسط من البوابة الإسرائيلية مباشرة. يتزامن ذلك مع عناوين أو مشاريع مغامرات كبيرة حيال أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا الوسطى وغرينلاند... وغزة.

في محطة ترامب الشرق أوسطية يتبلور، تباعاً، بالتزامن مع تشجيعه حكومة القتلة الفاشيين في إسرائيل على نقض الاتفاق مع المقاومة في غزة واستئناف حرب الإبادة، إطلاق واشنطن تهديدات للمقاومة بجحيم لم تعرفه من قبل. يقترن ذلك ببدء حرب واسعة ضد صنعاء، وإنذار وتهديد لطهران بحرب ضدها وضد ترسانتها العسكرية ونفوذها الإقليمي ودورها ودور حلفائها في التضامن مع الشعب الفلسطيني ضد مخططات التدمير والتهجير والإبادة.

ينخرط ترامب شخصياً ومباشرة في التهديد والمفاوضات وإملاء الشروط ومحاولة فرضها. هذا ينطبق بشكل كامل على الوضع في لبنان: تدخّل سافر ووقح في تحديد السياسات وفرض الأسماء في مجمل الهرم السلطوي، السياسي والأمني والاقتصادي... يساعد في ذلك أتباع إقليميون وكومبارس محلي يتصيد فرصة كل تحول خارجي لاستثماره في الداخل بالاستناد إلى فئوية عنصرية متطرفة وتبعية انعزالية أدمنت، ولا تزال، الإتجار بـ«السيادة» بغرض فئوي أو تسديداً لفواتير استعمارية أو حتى إسرائيلية (1982)!
إنه «القرار الدولي» إذاً، في لبنان.

أي المعادلة إيّاها التي أشرنا إليها في المقدمة: دولي/ غربي/ أميركي/ إسرائيلي... يجري ذلك فيما يواصل العدو الإرهاب والاغتيالات والتدمير والتوسّع... إلى منع المساعدات عن لبنان وربطها بشرط تصفية المقاومة وسلاحها، والانخراط، قبل هذا وذاك، كما تأمر أورتاغوس: التطبيع الفوري مع العدو!

البُعد الإقليمي، الملحق للقرار «الدولي» هذا، يتمثّل في النسج على المنوال الأميركي الإسرائيلي نفسه كما دأبت «مملكة الخير»، خصوصاً، منذ بداية إلإبادة حتى اليوم. كتبت «الشرق الأوسط» الرسمية السعودية، يوم الأحد الماضي، في خبرها الأبرز على ص1، بشأن صواريخ الجنوب الـثلاثة: «الصواريخ المجهولة تهز الاستقرار اللبناني»! كم في هذا العنوان من الأخطاء والتضليل!

أولاً: هل أن هذه الصواريخ البدائية قادرة على أن «تهز»، إلا بمقدار ما استغلتها إسرائيل للتوسع في العدوان والتدمير والقتل والاغتيالات!

ثانياً: هل هناك «استقرار» في لبنان؟ ألم تتابع إدارة الجريدة الوضع في الجنوب وفي لبنان عموماً عبر استئناف الحرب من طرف واحد، وفي كل المناطق، بتغطية أميركية كاملة؟!

ثالثاً: ألم يكن يجدر بأي وسيلة إعلامية، على حدٍّ «ولو ضئيل» من المهنية والموضوعية، أن تشكك بهذه الصواريخ وبهدف إطلاقها وبمن المستفيد؟

رابعاً: وماذا عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بمهلة الستين يوماً، وبالتمديد، وبالمواقع المستحدثة المحتلة الخمسة وبالإصرار المعلن على استمرار الاحتلال من قبل قادة العدو؟!

مثل ثانٍ، «دولي» هو الآخر، ومن الجريدة نفسها، الأربعاء الماضي، وفي صدر صفحتها الأولى والزاوية الأبرز نفسها: «غزّة... احتجاجات ضد «حماس» تدعو لوقف الحرب»! أوليست إسرائيل هي من استأنف حرب التدمير والإبادة ونقض الاتفاق. أوليس الأصح أن البعض يطالب بالاستسلام. هل يحجب تحرك بضع مئات (وحتى آلاف) بسبب حرب الإبادة أو بجهود استخباراتية، صمود ومعاناة الغزّيين الأسطوريين طوال نحو السنة ونصف السنة.

هذه هي المعادلة الرديئة التي يُراد لنا أن نستسلم لها. إنها شريعة الغاب الأميركية الإسرائيلية، وليست «القرار الدولي». يشهد التاريخ المعاصر، ويعرف هؤلاء «الدوليون» جيداً أن شعبنا قد قاومها وقاومهم وانتصر!
* كاتب وسياسي لبناني

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي