مقالات للكاتب

جمال غصن

الإثنين 24 آذار 2025

شارك المقال

الأيام والليالي والطوفان القادم


عندما تُفرض عليك الحرب، من البديهيّ ألّا تُفرض عليك بشروطك أنت بل تخاض عليك حسب الشروط والظروف التي يراها المعتدي مناسبةً له. وحين يعلنها حرباً على شعبٍ حتّى الخضوع وإمّا الإبادة، فما يخيّرك به فعليّاً هو إمّا الموت مواجِهاً أو العيشُ ميتاً. هذه هي الشروط التي يجاهر بها محور الإبادة بقيادة منظومة الحرب الأميركية وورمها الخبيث الذي يواصل الانبثاث من فلسطيننا إلى لبناننا وسوريانا وما بعدهما. ويفترض أن يكون من البديهيّ أيضاً ألّا تضطر إلى أن تذكّر الشعب الذي يُقْتَل بما يعيشه يوميّاً من ممارسات الإبادة. لكنّ بما أنّ من يمارس الإبادة يفضّل أن يمحو ذكرها، أو صرف الأنظار عنها قدر المستطاع، نرى جهوداً ممّن يقود الإبادة أو يأتمر بقائدها في الميادين كافة، ومنها الإعلام (وخاصةً الإعلام)، للإيحاء بأن ما من إبادة تحصل، وإن حصلت، فهي ذنب الذي يراد له أن يباد.
في المقابل، يُعاب على من قرّر ألّا يشهد صامتاً على الإبادة على قصوره في تحقيق النصر النهائي في المواجهة الشاملة مع من «يتفوّق عليه» نوعاً وقدراً. وبما أنّ النصر الموعود لم يحصل و«التفوّق» حاصل، فلا بدّ من التطبيع مع هذا الواقع الشاذ والموت بصمت ومن دون إزعاج القاتل والنعام التي تظن أن طمر رأسها في الرمل يحمي رقابها من النحر. «أوقفوا العدّ!» عبارة قالها دونالد ترامب في تغريدة خلال انتخاباته الرئاسية الخاسرة أمام جو بايدن عام 2020 حين استشعر أن استكمال عدّ الأصوات ستطيح برئاسته يومها، ويكرّرها اليوم وقد عاد رئيساً واستلم زمام القتل من بايدن. لا يريد ترامب أن يحصي أحدٌ أعدادَ ضحايا «السلام» الذي يعد به، ولا يقدر أحد على إحصاء عدد الجبهات التي فتحها ترامب في حربه الشاملة على كلّ ما لا يروقه. وإن كانت إستراتيجية «الإلهاء عبر الإغراق» التي يتّبعها ترامب تنفعه في تعامله مع الإعلام المهيمن أميركياً وعالمياً، لا يملك من يواجه الإبادة ترف الغرق أو اللهو. لذا وجب التصويب والتذكير الدائم أنّنا في حربٍ هدفها إبادة شعب ولا سلام للشعوب ممكن أن يأتي على أيادي من يعادي الشعب ويمتهن الحرب عليه.
في خضم هذه الحرب المتعدّدة الجبهات، يكثر من يحاول إعلاء صوته للإيهام بأن لما يقوله صدى. لكن مهما علا ضجيج معارك الإلهاء الجانبية، تبقى في الواقع جانبية وهامشية جداً، ولا يجب أن يتوهّم من يختلق حروباً وهمية أن الحرب الحقيقية انتهت أو أنه ينتصر لأنه وحده في ميدان من نسج الخيال. أقصى ما يمكن لهؤلاء أن يحقّقوه إن نجحوا في مهمتهم، هو أن يصدّقهم أحد أن المشكلة تكمن في أروقة مؤسسات اسمية (أو على رأسها) لدولٍ منهارة ولن تقوم لها قائمة إلّا بالتخلّص من المرض العضال الذي ينخرها. هذا لا يعني تبخيس جهود مجلس شورى الدولة في النظر بمشروع مرسوم وزارة التربية لإلغاء امتحانات البريفيه لهذا العام الدراسي قبل عرضه على حكومة «الإصلاح والإنقاذ»، ولكن للمفارقة، وفي الأسبوع نفسه، نسف دونالد ترامب وزارة التربية في بلاده من أساسها. أمّا في أروقة بعبدا، فشرب رئيس البلاد المرطبات مع وفد من «جمعية الحفاظ على تراث شارل ديغول في لبنان»، «مؤكداً أن إرثه لا يزال حاضراً في عقول الكثيرين حول العالم». لا ضير في استذكار إرث ديغول، الذي، مثل ترامب، حكم في مرحلة اضمحلال «عظمة» بلاده التي كانت تخوض حروب إبادة على شعوب المستعمرات المنتفضة في مدة تأسيس «جمهورية جديدة» لشعبها.
عندما تُفرض عليك الحرب، لا تُفرض عليك بشروطك. لكن عندما تقاوم المعتدي، تنتصر متى فرضت عليه معركة تحرّرك. هكذا فعل شعب الجزائر مع جيش ديغول وعملائه وانتصر. ليس النصر نهائياً إلّا بزوال العدوان، وعندما يصبح العدوان حرب إبادة معلنة، هذا يعني أن بقاءك نكسةٌ لا تحتملها منظومة الهيمنة الإمبريالية. يقولها ترامب بفجاجته، يريد شعوبنا رملاً على شواطئ منتجعاته، أو مبعدين في صحراء سيناء، أو معذّبين في سجون السلفادور، أو متسولين أذلاء على باب مكتبه البيضاوي. هو يريد الكثير. يريد غرينلاند وقناة بنما. يريد معادن أوكرانيا بعد أن نفد رجالها. يريد أن يُخضع بحار الصين، وهو في البحر الأحمر غارقٌ. ليس كلّ ما يتمنّاه «ديغول» عصرنا يدركه. يريد التأسيس لـ«جمهورية جديدة» في واشنطن، فليكن. لكن بيننا وبين من يحلم بتطبيع فكرة إبادة شعوبنا، أيام وليالٍ وكذا طوفان.

*من أسرة «الأخبار»

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي