ثورات مضادة بلا ثورات
النفيرُ عامٌ في المنطقة منذ أعوامٍ طوال ولا داعيَ للدعوة إليه. من لم ينفر بعد، فقد فاته القطار. لكن لحسن حظّه هذا القطار يدور على سكة الملاهي الأفعوانية ويعود إلى نقطة البداية ليبدّل ركّابه بعد إتمام دورة طلعاته ونزلاته وخضّاته وتشقلباته اللولبية المنهكة والقاتلة في حين. يسهل خلال فورة المشاعر والغثيان التي يثيرها دوران أحداث بهذا العنف فقدان الإحساس بالوجهة التي تتّجه نحوها الشعوب، وتصبح البوصلة بمنزلة بلبل يغزل مع عقارب الساعة وعكسها في آن.
على هذه الأرضية يثار الحديث عن ثورات وثورات مضادة، وما من ثوّار في مشهد على أحوج ما يكون إلى ثورة، حتى يصبح مجرّد عدم إضاعة البوصلة عملاً ثوريّاً بحد ذاته. لئلّا تضيع البوصلة لا بدّ من تحديد دقيق للموقع في التسلسل الزمكاني الوجودي.
في الجغرافيا تقع بيروت في منتصف الطريق بين مدينتي اللاذقية وغزة على الساحل الشرقي لبحر الشام أو بحر الروم كما سمّي تاريخياً. تفصل المدينتين مسافة تقارب 500 كيلومتر أو واحد بالمئة من إجمالي طول ساحل البحر الأبيض المتوسط كما يسمّى اليوم، والذي يصل طوله إلى 46 ألف كيلومتر تفصل جهتا مضيق جبل طارق برّاً.
تغرق بقعتنا الصغيرة من ساحل البحر بكثير من الدم اليوم، ولكن الموت ليس غريباً على باقي سواحله وإن كانت حصة جنوب البحر من القتلى تفوق أضعافاً حصة الشمال الأوروبي الذي غالباً ما يصدّر هذا الموت ليذكّره به البحر عندما يحطّ على شواطئه جثثاً غرقى.
في التاريخ يعيش العالم مفصلاً مصيرياً يسميه البعض نهاية «نهاية التاريخ». فإن سارع المحتفون بإعلان انتصارهم في الحرب الباردة ونهاية أبدية للمبارزة بين الأيديولوجيات الاقتصادية الحاكمة لعلاقة الشعوب ببعضها على هذه الأرض، فقد علّمنا الأبد أنه ليس متاحاً مهما توهّم الإنسان، فرداً أو جماعةً، في الوصول إليه. فمنتصرو الأمس يعلنون قصور مشروعهم في هذه المرحلة وانتقالهم إلى المرحلة «الترامبوماسكية» من الرأسمالية ما بعد المعولمة.
في هذا العالم، لا تتبرّج ولا تكتسي الإمبريالية بنشر الديموقراطية والتنمية لبسط هيمنتها، بل ببساطة تهدّد وتقتل من لا ينتظم ويلتزم موقعه في هرمية التناهش الرأسمالي. صفّقوا لنتنياهو عندما أعلن تباهيه بوظيفته الإبادية للملأ في خطابه أمام الكونغرس الأميركي الصيف الماضي، ومذّاك لم يعد للتطبيع معنى ولا قيمة إذ لا يُكسِبك التقبّل، ولا نقول التصفيق لأن ذلك حصريّ لقلّة مختارة، إلّا المشاركة المباشرة في الإبادة بشكل من أشكالها.
على كوكب آخر في محلة عين المريسة في بيروت، أقام مهرجان البستان الدولي برعاية شركة CMA CGM حفلاً موسيقياً صباح الأحد لعازف قيثارة روسي قدير يدعى ساشا بولداتشيف. اقتصر الحضور على بضعة أجانب ووزيرة السياحة في الحكومة الجديدة ووزيرة ماراثون بيروت الدائمة. على الساحل السوري في منتصف الطريق بين اللاذقية وغزة، صفّق عشرات من البيض لعازف قيثارة. في قصور رئاسية وأميرية ليست بعيدة من عين المريسة يحلم القاطنون بأن يكونوا عازف القيثارة هذا.
يصف الرفيق علي القادري في أحد كتبه «الحاجز الوقائي» الذي يتخذ منه رأس المال المهيمن درعاً ضد الحركات الثورية التي قد تهدّده. في منطقتنا يتشكّل هذا «الحاجز الوقائي» ممّا كان يعرف قبل «طوفان الأقصى» بمحور التطبيع.
لكنّ بعد كشف المقاومة، الفلسطينية واللبنانية بشكل أساسي، لهشاشة الكيان الإبادي وأن وجوده مرتبط بوظيفته الإباديّة حصراً وهو مستعدّ بمباركة الأميركي وأتباعه وإمدادهم المباشر لممارسة فعل الإبادة خدمة للهيمنة، تغيّر ما هو مطلوب من خدم التطبيع.
لم يعد يكفي استخدام موارد الشعوب لتدجينها واستيعابها في دور خدمي استهلاكي مطبّع في منظومة الهيمنة. لا ترى «الترامبوماسكية» نفعاً في تطبيق «عقيدة الصدمة»، التي نقلت دول جنوب أميركا وشرق أوروبا إلى النيوليبرالية، في سوريا حيث لا ترى جدوى اقتصادية للاستثمار في بلد مدمّر ومقسّم. عدوّ المهاجرين الأكبر لا يعنيه مهاجري بحر الشام ولا بحر الروم، فليقي «حلفاؤه» أنفسهم، ولا يرى في شواهد قبور شهدائنا إلا منتجعات.
النفيرُ العام في منطقتنا واجبٌ ثوريٌّ لا مفرّ منه. حرب «الآخرين» على أرضنا، كما يراها أحد التعبانين، هي لإبادتنا، ومتطوعون كثر بيننا يقفون في طابور مزدحم لخدمة الإباديين، إمّا خوفاً أو عجزاً أو جهلاً أو خبثاً، عسى أن يرضى عنهم أسيادهم. في الحرب الإبادية على الشعوب، الثورة سرّ الوجود، ولا تضاد مع ثورة لم تقم بعد. من يرى اليوم ثورة مضادة تستهدفه لم يكن ثائراً يوماً. هو حاجز واقٍ في أفضل حال، فكيف له أن يكون ثائراً وهو يرى في الإبادة مطيته.
* من أسرة «الأخبار»