في نهاية أكتوبر تشرين الأول عام 1991 شهدت العاصمة الإسبانية مدريد حدثاً تاريخياً مهمّاً يُمكن وصفه بمسرحية الذبح السياسي للقضية الفلسطينية وانطلاق مشروع التصفية العلنية للحقوق الفلسطينية والعربية، غير أن هذه المجزرة التي ارتكبها «المجتمع الدولي» بحق الشعب الفلسطيني جاءت على شكل مؤتمر «للسلام» برعاية أميركية وروسية وحضور الأنظمة العربية والصهاينة تحت قبة واحدة، وفي كسر علني شبه شامل لما عُرف يوماً بـ«لاءات الخرطوم» المعروفة

من محطة مدريد عام 1991 سينطلق قطار «المفاوضات الإسرائيلية العربية» في مسارات متعددة في السر والعلن. وبعد سنتنين شهدنا توقيع اتفاق أوسلو الكارثي 1993 تبعتها معاهدة وادي عربة بين النظام الأردني والعدو الصهيوني في عام 1994. واليوم، بعد 30 عاماً، يَصعُب حَصر المكاسب الاستراتيجيّة التي حققها الصهاينة من وراء «مؤتمرات ومعاهدات السلام»، خاصة مع التحولات النوعية الجارية بينه وبين دول الخليج (باستثناء الكويت) تماماً مثلما يَصعُب حصر الخسائر العربية. فيما لم يحصد الشعب الفلسطيني إلا الخيبة والمرارة، كان هو الخاسر الأكبر ولا يزال حتى هذه اللحظة.

روان المنصور (السعوديّة) بورتريه ليلى خالد ـــ 2012 DeviantArt

المشاركة الفلسطينية الرسمية، في ذاك المؤتمر، كانت قفزة خطيرة وبقرار غير شرعي أقدمت عليه القيادة المهيمنة والفاسدة في «م ت ف» التي شاركت تحت عباءة النظام الأردني وبتشجيع من دول النفط ووكلاء الاحتلال في الداخل. تلك الخطوة شكلت طعنة مسمومة وقاتلة في ظهر الانتفاضة الشعبية الكبرى (انتفاضة 1987) التي ظلت تراكم إنجازات كبيرة وتحقق وحدة شعبية وميدانية غير مسبوقة. وتفتح أفاقاً جديدة أمام النضال الوطني الفلسطيني، إذ انتقلت جماهير الأرض المحتلة بالانتفاضة إلى موقع المبادرة والفعل والتنظيم، وأسست لمرحلة نضالية نوعية وكرّست سلطة ثورية في القرى والمدن والمخيمات باتت تشكل مرجعية سياسية ونضالية.
ويمكن القول إن أحد أهم الأهداف الأميركية والصهيونية وأدواتهما في المنطقة كان إجهاض الانتفاضة الشعبية في الأرض المحتلة وشطب إنجازاتها وتصدير الأزمة إلى الداخل الفلسطيني.

المواقف الفلسطينيّة من مؤتمر مدريد 91
1) موقف قيادة منظّمة التحرير: عضوُ اللجنة التنفيذيّة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ومسؤولُ دائرة العلاقات العربيّة والدوليّة في المنظّمة في ذلك الوقت، كان محمود عبّاس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينيّة اليوم. كتب في مجلّة الدراسات الفلسطينيّة (عدد خريف عام 1991) مقالاً يَظهر من عنوانه حماسُه للمؤتمر وللمفاوضات بالرعاية الأميركية (مؤتمر مدريد وضع الأمورَ في نصابها!)، يمكن اعتبارُ ما ورد في ذلك المقال الرديء هو رؤية قيادة حركة فتح أو رؤية التيّار المنظِّر للتسوية ذاتِ الرعاية الأميركيّة. فماذا قال أبو مازن وهو المعروفُ بأنّه من أشدّ المتحمِّسين للتسوية والمفاوضات منذ عام 1973 على أقلّ تقدير؟
قال إنّ الإطار الذي عُقد فيه المؤتمر، وجَمع العربَ و«إسرائيل» وجهاً لوجه للمرّة الأولى في تاريخ النزاع العربيّ - الإسرائيليّ، أهمُّ من الأسباب؛ وهذا ما يعطي المؤتمرَ ـــ في رأيه ـــ زخماً وصدقيّة قد يؤدّيان إلى نتائج إيجابيّةِ تعكس نفسَها على المنطقة. وقال إنّ «إسرائيل» ستستغلُّ أيَّ عقباتٍ من أجل الانسحاب من المفاوضات (كان يعتقد أنّها خائفةٌ من المفاوضات!). أورد مبرِّراتٍ لمشاركة الفلسطينيّين في هذا المؤتمر، وبرر القرار الفردي والالتفاف على المؤسسات الفلسطينية من منطلق وجوب التعامل مع الأوضاع والوقائع المتاحة. واستنتج أنّ الولايات المتحدة تتحدّث بجدّيّةٍ تامّةٍ عن حلٍّ عادلٍ ودائمٍ في الشرق الأوسط، وأنّها ترى ضرورةَ تطبيق القراريْن 242 و338 ومبدأ «الأرض مقابل السلام».
2) موقف الجبهة الشعبيّة: رفضت الجبهةُ الشعبيّة لتحرير فلسطين، ومعها قوى عديدة، مؤتمرَ مدريد 91. وحين سُئل د. جورج حبش، بعد عامٍ تقريباً على انعقاد مؤتمر مدريد، عن تقويمه لمسيرة التسوية، أجاب: «ما جرى في مدريد لا يمكن أن أُطلقَ عليه «مسيرةَ تسوية» وإنّما هو من حيث الشكل والمضمون مسيرةُ تصفيةٍ حقيقيّةٍ للقضية الفلسطينيّة». واعتبر أنّ هذا المسار التصفوي سوف يؤدّي إلى نتائجَ كارثيّةٍ على الشعب الفلسطينيّ والمنطقة، وسوف يجعل من الكيان الصهيونيّ قوّةً إقليميّةً مهيمنة.
هذا التناقضُ الصارخ بين موقف حركة فتح وقيادة المنظّمة من جهة، وموقفِ الجبهة الشعبيّة والقوى الرافضة لمؤتمر مدريد في إطار المنظمة، فضلاً عن مواقف حركتي «حماس» و«الجهاد»، انعكس سلباً على سير الانتفاضة الشعبيّة الباسلة في الأرض المحتلة التي كانت لا تزال مشتعلةً. فقد رأت قيادةُ المنظّمة لزومَ «استثمار الانتفاضة بسرعة وركوب القطار قبل فوات الأوان»، وقامرت بالقضية كلها من أجل الحفاظ على امتيازاتها الطبقية ووضعت كل الحقوق الفلسطينية في مزاد مدريد - أوسلو. وفي تلك الفترة بدأنا نشهد حالات فوضى وتراجع في وتيرة الفعل الكفاحي وانهياراً سريعاً في الاتحادات النقابية والشعبية وتعددية في المرجعيات وفي مصادر القرار.
لذا عندما نتحدّث عن مشروع التصفية، اليوم، فإنّ من السذاجة أن ننطلقَ من «صفقة القرن» مثلاً؛ ذلك لأنّ مسيرةَ التصفية بدأتْ منذ التساوق العلني مع الدعوة لمؤتمر جنيف «للسلام» عام 1973، فيما كان مدريد – أوسلو نتيجة للسياسات الفلسطينية والعربية الرسمية، ومقدمة جديدة لما بعده، كما يقول د. جورج حبش في المقابلة ذاتها، مُضيفاً: «إنّ اللحظة الراهنة، على ضوء مؤتمر مدريد، باتت تستدعي، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، البحثَ في مسألة البديل الثوريّ الفلسطينيّ، لأنّ كلَّ حقوق شعبنا ونضالاتِه ستكون في مهبّ الريح في حال نجاح مشروع الحكم الذاتيّ».
وضعت «إسرائيل» شروطاً عدة للمشاركة في مؤتمر مدريد على رأسها: إلغاء القرار الأممي 3379 الذي يَعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. بعد أسبوعين فقط ستلغي الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي في 15 ديسيمبر 1991. وتوالت الاعترافات بكيان العدو الصهيوني وجرى قبوله في مئات الهيئات والمؤسسات الدولية. الصين مثلاً وأكثر الدول الأفريقية بررت إقامة علاقات مباشرة مع «إسرائيل» متذرعة بنتائج مؤتمر مدريد وانطلاق عملية السلام، فيما تعززت علاقات الكيان مع بلدان مثل الهند وحتى بعض الدول الإسلامية وغيرها، وحصلت إسرائيل على قروض قيمتها عشرة مليارات دولار من الولايات المتحدة، واتفاقيات عسكرية واقتصادية جديدة بما في ذلك تقنيات عسكرية متطورة، فضلاً عن تحقيق الهدف المباشر وهو إجهاض الانتفاضة الفلسطينية وإزاحة الخطر الذي شكلته على واقع ومستقبل الكيان الصهيوني.
أخيراً، في عام الذي عُقد فيه مؤتمرُ مدريد سنة 91، كان تعدادُ الشعب الفلسطينيّ أقلَّ من 6 ملايين؛ أمّا اليوم فقد تجاوز 13 مليوناً. وهذا يعني أنّ أكثرَ من نصفِ الشعب الفلسطيني وُلد بعد انطلاق قطار التصفية في مدريد ـــ أوسلو. والأهمّ أنّ أكثرَه من فئة الشباب. وخلال العقود الثلاثة الماضية شهدنا تطورات نوعية في قدرة المقاومة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة وتعاظم العديد من عناصر القوة الشعبية الفلسطينية على جبهة حركة المقاطعة الدولية وغيرها.
وفي نهاية شهر أكتوبر تشرين الأول الحالي ينعقد مؤتمر المسار الثوري الفلسطيني البديل في ثلاث مدن هي بيروت ومدريد وساوباولو، للرد العملي على مرحلة كاملة، وتنظيم مسيرة شعبية فلسطينية أممية ستجوب شوارع مدريد يوم الأحد 31 أكتوبر تحت شعار كل فلسطين: من النهر إلى البحر. هذا المؤتمر والفعاليات الشعبية المصاحبة له يشارك فيها جمعيات ومؤسسات وحراكات شبابية ونسوية وطلابية من 23 دولة ومنطقة، تسعى لوضع علامة نضالية جديدة وفارقة في استعادة دور الشتات الفلسطيني الذي بدأ يتحفز من أجل تحرير قدراته الكامنة والانتقال مرة أخرى إلى مرحلة المشاركة الفاعلة وعبور ميادين المواجهة والقتال من جديد.

* كاتب فلسطيني