«المنع الاستباقي»: سوريا في العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل


وضعت حملة بنيامين نتنياهو على سوريا، وما تخلّلها من خطاب عدواني تُرجم من فوره استفزازاً بالنار من طرف واحد، الحُكمَ الجديد هناك على مفترق طرق يصعب الالتفاف عليه. ولعلّ مكمن المأزق السوري الجديد، هو في قصور الاستراتيجية التي وضعها هذا الفريق للسياسة الخارجية السورية، عن الاستجابة لتحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حربَيْ غزة ولبنان، بما تفاقمه الأخيرة من مركزية إسرائيل في واقع الإقليم، وتعزيز تأثيرها على الشأن الداخلي السوري تحديداً.

يرى رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ومعه وزير خارجيته أسعد الشيباني، أنه لا مناص من مهادنة الولايات المتحدة وإسرائيل لسنوات، وتجاهل عدوانهما على البلاد، وغضّ الطرف عن أطماعهما فيها، ريثما تُرفع العقوبات عن سوريا كشرط لازم للتمكين من إقامة سلطة فعّالة. هذه، باختصار، السياسة الخارجية الجديدة لدمشق، وقد ارتسمت معالمها جليّة في الأسابيع المتصرّمة، مسندةً من أنصارها بحجج «الواقعية» وانعدام الخيارات، في منحى مفارق لنموذجَيْ أفغانستان واليمن.

في الغضون، ثمّة انزياح في إسرائيل إلى تطوير عقيدة الأمن القومي، ومن ثم قلب هرمها ليكون في رأسه «المنع الاستباقي» بدلاً من «الردع»، فيضاف «المنع» كركيزة خامسة إلى الركائز الأربع (الردع والإنذار والحسم والدفاع)، ويرث مركزية «الردع» في العقيدة. و«المنع» يختلف عن «المعركة بين الحروب» من حيث إنه بلا أسقف ولو اشترك معها في «الاستباقية». وعرّف البعض «المنع» بأنه القضاء على التهديد قبل أن يستحيل خطراً ماثلاً (أي ما يمكن تسميته «وأد المخاطر»).

وركيزة «المنع» اضطرت إسرائيلَ إليها عمليةُ السابع من أكتوبر، وتبلورت آلياتها التطبيقية مع وقف إطلاق النار في لبنان فغزة. وهذا ما يكمن وراء مجمل الأقوال والأفعال التصعيدية - ما بعد وقف إطلاق النار شمالاً وجنوباً - تُجاه غزة والضفة ولبنان وسوريا. بتعبير آخر، تسعى إسرائيل إلى متابعة الحرب، بغير وسائل، وعلى الساحات جميعها، تطبيقاً للعقيدة الجديدة، وفحصاً لفاعليتها وإمكانية استدامتها.

ويتلخّص ذلك المسار بجملة تكتيكات سردها رون بن يشاي، أمس، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وهي التالية: إقامة منظومة دفاعية من ثلاثة مستويات، اثنان منها «داخل أرض العدو» وقوامها قواعد عسكرية ومناطق منزوعة السلاح، و«استحكامات وعوائق داخل إسرائيل».

وهو ما سيُعمل به عند المنطقة العازلة في غزة، وجنوب الليطاني انطلاقاً من النقاط الحدودية الخمس في لبنان، وعلى كامل الجنوب السوري.

ومن هنا، خرج تعقيب وزير الأمن، يسرائيل كاتس، على الضربات الجوية الأخيرة، بالقول: «لن نسمح يأن يتحوّل جنوب سوريا إلى جنوب لبنان». وهذا تصريحٌ، معطوفاً على تصريح وزير الخارجية، جدعون ساعر، عن أن «حكومة سوريا الجديدة هي جماعة إرهابية إسلامية من إدلب استولت على دمشق بالقوة»، لا يشي بأقل من إغلاق الأفق في وجه صفقة متوهّمة، يمنّي البعض النفس بها، حتى وإن فرّطت دمشق بالحقوق، مقدّمةً كل تنازل. كما أن توفّر فرصة استثنائية لتل أبيب في البيت الأبيض، عنوانها دونالد ترامب، الضارب عرض الجدار بأي وزن لثبات الجغرافيا السياسية في النظام الدولي، يزيد الإسرائيليين تشبّثاً بالعدوانية الشاملة إلى أقصى مدى من سياسات الاحتلال والتهجير والتوسّع والضم والتدخّل وضرب السيادة والتلاعب بالوحدة عبر الفتن والانقسامات.

وإزاء تلك الحملة العدوانية الصلفة واحتلال مئات الكيلومترات والتهديدات الصريحة لوحدة سوريا، لا بوادر لفرصة لسياسة المهادنة مع كل التعقيدات الماثلة، ولا مؤشرات إلى ثقة ستنعقد بين الأطراف، برغم أنه، وفق بن يشاي، ثمة نافذة تركها نتنياهو، عبر رسالة بعث بها إلى كل من دمشق وأنقرة، مفادها أن إسرائيل لا تنوي البقاء في الجنوب السوري إذا ما ضمنت ترتيبات أمنية مناسبة، والقصد منها تجريد المنطقة (المحافظات الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء)، من السلاح ومنع وجود «جماعات جهادية» أو مطلق قوات عسكرية في هذا النطاق.

وأتت رسالة نتنياهو، والتي رافقها ضغط ناري عدواني، عشية زيارة الشرع إلى الأردن، في مسعى لإخضاع الحكم الانتقالي على ما يبدو، علماً أن الأخير، وبرغم حراجة وضعه وضعف إمكاناته، ليس لديه ما يضمن الاستقرار المنشود، ولا استمالة واشنطن من البوابة الإسرائيلية إذا ما قدّم الجنوب السوري كحاجز آمن للاحتلال.

وكاتس نفسه كان صريحاً في أن إسرائيل لن ترضى بأيّ قيامةٍ سورية - ولو قصر الوعيد على الجنوب السوري- حين قال: «كل محاولة للجيش السوري الجديد لبناء قدرات عسكرية في الجنوب ستقابل بالنار. لن يسمح الجيش الإسرائيلي لقوات معادية بالتمركز والوجود في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، من هنا وحتى دمشق، وسنعمل ضد أي تهديد».


هكذا، يبدو رهان الحكم الجديد في دمشق على تفاهمات تركية - إسرائيلية أو «وساطة» أردنية مفترضة مع تل أبيب، كالمستجير بالرمضاء من النار؛ فإسرائيل عزمت أمرها على عدوان واسع يصل مداه إلى اللعب بوحدة البلاد والسيطرة على السكان ودعم حكم أمني ومدني محلي وإعاقة بناء قوة مركزية سياسية وعسكرية. وجميع هذه الأطماع والمخاطر على مستقبل سوريا، تتعدّى مخاوف أمنية حدودية للعدو من مساع لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي» لفتح جبهة ضد إسرائيل من سوريا، كما قال كاتس بالأمس، إلى محاولة تبديد الكيان السوري برمّته.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي