هكذا اختطف اليمين المتطرّف أنطونيو غـــرامشي!

في عام 1955، أسّس الفاشي الإيطالي بينو راوتي مجلة سياسية تسمّى «أوردين نوفو» (النظام الجديد)، مستعيراً عمداً اسم المجلة الاشتراكية الماركسية الثورية التي أطلقها الفيلسوف والمفكّر الماركسي أنطونيو غرامشي (1891 ــــ 1937) في مدينة تورينو الإيطالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ذكر أعضاء «اليمين الجديد» الأوروبي في فرنسا وألمانيا وإيطاليا غرامشي ونسبوا إليه تصوراتهم عن «القوة الثقافية» و«الهيمنة الثقافية»، رغم أنّ الثوري السرديني الراحل نادراً ما استخدم هذين التعبيرين، إن وجدا.
لم يخفت افتتان اليمين المتطرف بغرامشي في القرن الحادي والعشرين، فوُصف الصحافي «الفيلسوف» أولافو دي كارفالو (1947 ـــ 2022) الذي أثرت أفكاره بعمق في رئاسة جايير بولسونارو في البرازيل من 2018 إلى 2022 - بأنه «مهووس بغرامشي». وفي فرنسا عام 2018، صرّحت ماريون ماريشال لوبان، حفيدة جان ماري لوبان، وابنة شقيقة مارين لوبان، والشخصية الصاعدة في اليمين المتطرف الأوروبي بأنه «حان الوقت لتطبيق دروس غرامشي».
في تسعينيات القرن الماضي، كتب المحافظ الراديكالي الأميركي، المفكر سام فرانسيس (1947 ــ 2005)، مقالاً بعنوان «الفوز في الحرب الثقافية: القضية الأميركية». استدعى فرانسيس في مقاله شبح الفيلسوف الإيطالي من أجل تقديم خطة إستراتيجية لليمين الأميركي المتطرف. قال: «إن الإستراتيجية التي يمكن أن تحدث بها هذه الثورة الأميركية الجديدة، قد تنبع من شيء تم تركيبه في دماغ منظّر شيوعي، يحتضر في زنزانة سجن فاشية قبل ستين عاماً». انتقد فرانسيس المؤسسة الأميركية لتقاعسها عن العمل «للحفاظ على ما يعتبره معظمنا أسلوب حياتنا التقليدي»، ودعا إلى ما لا يقل عن «إسقاط السلطات المهيمنة التي تهدد ثقافتنا» تماماً كما يقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالياً.
لكن في ما يتعلق بالأساليب السياسية اللازمة لمثل هذا الإسقاط، اعترف بأن «النظرية المحافظة لا تعلمنا سوى القليل عن الإستراتيجية والتكتيكات لتحدي السلطات المهيمنة». وبدلاً من ذلك، أكد أنه يجب على معسكره «الالتفات إلى اليسار»، وتحديداً إلى أفكار غرامشي حول «القوة الثقافية» و«الهيمنة المضادة». وأقرّ أنّ غرامشي شدد على الحاجة إلى بناء «نظام ثقافي موازن»، مستقل عن الجهاز الثقافي المهيمن، وقادر على توليد نظام معتقداته الخاص.
تعدّ ثقة فرانسيس بغرامشي، الذي يعدّ إحدى أكثر الشخصيات الأساسية والملهمة في الماركسية في القرن العشرين، بمنزلة عمل جريء، وإن وقحاً، ويندرج ضمن أعمال البهلوانية الأيديولوجية. أُقيل فرانسيس لاحقاً من منصبه كمحرر في صحيفة «واشنطن تايمز» ـــ وهي صحيفة محافظة ــ بسبب تصريحات عنصرية، وهو معروف بأنّه من أنصار تفوّق العرق الأبيض. مع ذلك، ظلّت قضيته الأكثر أهمية هو محاولة استيلاء اليمين المتطرف على أفكار غرامشي.
سعت الغرامشية اليمينية إلى تشكيل المشهد الأيديولوجي والثقافي، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي
شكلت حقبة الستينيات هزيمةً للمعسكر اليميني في فرنسا، بسبب وصمة العار التي لحقت به بعد تعاونه مع الاحتلال النازي. عاش اليمين الفرنسي المتطرف على هامش الحياة الانتخابية في ظل الجمهورية الرابعة (1946-1958) وفي ظل رئاسة الجنرال شارل ديغول (1958-1969). ورغم أن ديغول نفسه جاء من اليمين التقليدي قبل الحرب، إلا أنه تعرّض للإهانة من قبل اليمين المتطرف لقبوله استقلال الجزائر في عام 1962. كما شكلت العاصفة السياسية المعارضة لتظاهرات أيار (مايو) 1968، التي قادها الملايين من الطلاب اليساريين والعمال المضربين، جرحاً إضافياً، إذ فضح التفاهة الثقافية والتهميش السياسي الذي يتبع اليمين المتطرف، إلى أن ظهر ألان دو بونوا (1943).
يعدّ الكاتب الفرنسي ألان دو بونوا، المهندس الرئيسي لليمين الجديد في فرنسا في السبعينيات والثمانينيات. كان رائداً في قراءته الثقافية الانتقائية لكتابات غرامشي، ما جعله جذاباً وقابلاً للاستخدام من قبل أجيال من نشطاء اليمين. سلّط دو بونوا الضوء فقط على الجوانب الثقافية والأيديولوجية للمفاهيم الغرامشية حول «الهيمنة» و«حرب المواقع» مع إهمال أساسها في علاقات الطبقات المتضاربة في ظل الرأسمالية. جرد تفسير دو بونوا الفكر الغرامشي من إطاره الماركسي، وصار رائداً في ما يمكن أن نسميه «الغرامشية اليمينية»: صيغة وإستراتيجية متميزة لليمين من أجل الانخراط في السياسة الثقافية.
بالاعتماد على عيّنة صغيرة من أفكار غرامشي مع إخفاء أساسها الماركسي، فإنّ الغرامشيين اليمينيين يشوّهون فكره وسياسته، إلى درجة أنه سيكون من الخطأ وصفهم بأنهم «غرامشيون». ورغم الغموض الأيديولوجي لدو بونوا، إلا أن قراءته الانتقائية وإعادة توجيهه لأفكار غرامشي في السبعينيات، تركتا بصمةً دائمة على حركات اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم.
الاستيلاء على الفكر الشيوعي الإيطالي
بالنسبة إلى غرامشي، فإن عملية التحول نحو مجتمع اشتراكي في بلاد ليبيرالية لا تتم بالقوة، بل بإعادة تشكيل مفهوم ثقافي، وبتحويل الأفكار العامة وإعادة تشكيل بطينة العقول. إن سلاح حرب المواقع هذه هو الثقافة، التي بدورها تُفهم على أنها مركز قيادة القيم والأفكار.
في عام 1981، نظّم التجمع اليميني (GRECE) مؤتمره العام في فرنسا، وتبنّى فكرة الغرامشية اليمينية، وهكذا قرر اليمين الفرنسي الاستيلاء على الفكر الشيوعي الإيطالي لكن مع تجريده من كلّ أهدافه الإنسانية. وفي أعقاب GRECE، ظهرت دوائر فكرية من «اليمين الجديد» في البلدان المجاورة.
يظهر نمط شائع من جميع أنحاء الغرامشية اليمينية، غالباً ما يتم تحفيز اعتمادها بشعور الهزيمة - الحقيقية أو المتصورة - على يد اليسار. في أوروبا الغربية بعد الحرب مثلاً، تحوّل اليمين الجديد في فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى غرامشي، في الوقت الذي بدا فيه اليمين المتطرف الأكثر تهميشاً من قبل اليسار الصاعد، سواء من الناحية السياسية أو الثقافية.
في عام 2023، صدر كتاب لترامب كريستوفر روفو بعنوان مثير «الثورة الثقافية الأميركية: كيف استولى اليسار الراديكالي على كل شيء». يقول كريستوفر روفو إنّ منظري الغرب اليمينيين النقديين يستلهمون من غرامشي «للحصول على الهيمنة الثقافية على البيروقراطية، ولإعادة تشكيل هياكل المجتمع الأميركي».
سواء كان ذلك في باريس في الستينيات أو أميركا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فإن الغرامشية اليمينية تقدم نفسها كمشروع دفاعي، ما يُضخّم قوة خصومها اليساريين من أجل تبنّي موقف مقاومة شرعي ضد إبادة قيمها. وتجدر الإشارة إلى أن اليسار الذي يدعي الغرامشيون اليمينيون اليوم مقاومته هو أكثر ليبرالية من الناحية الثقافية منه من الناحية المادية، وهو تمييز لم يزد حدة إلا في العقود الأخيرة، حيث تعايشت الإدارة النيوليبرالية مع التطورات الثقافية التقدمية.
إضافة إلى صياغة مذاهبها الخاصة، سعت الغرامشية اليمينية إلى تشكيل المشهد الأيديولوجي والثقافي على نطاق أوسع، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إذ كما وثّقت الأكاديمية والكاتبة الأميركية أنجيلا ناغل، فقد استغل النشطاء من اليمين الأميركي البديل المؤيدون لترامب - الذين تصفهم بأنهم «غرامشيون من اليمين البديل» - الفضاء الرقمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لنشر أفكارهم بسرعة وعلى نطاق لا يمكن تصوره للغرامشيين اليمينيين الباريسيين في السبعينيات.
من الناحية الإستراتيجية السياسية، وجّهت «الغرامشية اليمينية» طاقات اليمين المتطرف نحو مجالات الأيديولوجيا والنظرية والثقافة في الولايات المتحدة، فوصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة يجسّد فكرة «قوّة الثقافة» الأميركية وقد استعاض عن «ثقافة القوّة».
لقد تخلّى ترامب عن دور أميركا العالمي الذي يتدخّل في كلّ شبر من العالم، وهو يسعى إلى جعلها قلعةً محصّنة تغزو جيرانها على الحدود وتهتم بمصالح الدولة العليا فقط لا غير. ومن أجل تحقيق ذلك المشروع اليميني المتطرف، على الخطاب السياسي العام أن يحمل في طيّاته غرامشية يمينية وكذلك أفكاراً سوريالية لإيلون ماسك تشبه أساطير السلطات في العصور الوسطى في أوروبا.
على مدار قرون، أسّست الولايات المتحدة ثقافةً استهلاكية عالمية تجسّد «الحلم الأميركي» بمساعدة هوليوود والميديا بتمويل من البترودولار. وعلى أساس تلك الصورة، سوّقت منتجاتها في أنحاء العالم. أمّا الصين، فقد حيّدت نفسها عن الثقافة العالمية، واستعاضت عن ذلك بالهيمنة الاقتصادية على العالم، فنحن نشتري البضاعة الصينية لأنّها رخيصة وسهلة المنال بطريقة راديكالية بعيدة عن عالم الإعلان والتسويق. والصراع العالمي هو بين فكرة الحلم الأميركي والراديكالية الصينية، إلا أنّ البعد اليميني لترامب سوف يحوّل الصراع بين راديكاليتين أيديولوجيتين اقتصاديتين، وقد يستحيل سريعاً حرباً فعلية مع تصاعد المشروعين.
تقف الولايات المتحدة على مفترق طرق كبير إزاء هذا التحوّل الكبير لدورها العالمي على يدي ترامب، وسينتج من ذلك انهيار شامل لدول الغرب المرتبطة بأميركا عضوياً خصوصاً بعد حرب أوكرانيا. فتصاعد اليمين الغرامشي في الغرب الذي يدعو شعوبها للانطواء على الذات ثقافياً واقتصادياً، بالتزامن مع توقف الدعم الأميركي لها، سيؤدي إلى تدميرها وانحلال دورها العالمي، وبالتالي سوف يقوّي دور الشعوب الشرقية، فهل سيقلب اليمين الغرامشي السحر على الساحر؟