اختلاط رهانات المطبّعين: الطريق إلى إسرائيل ليست معبّدة
أول ما يُنتظر من نتيجة تلك الانتخابات، هو ما ستفعله الإدارة الأميركية الجديدة، حيال الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة ولبنان، وتنخرط فيها أميركا ودول غربية أخرى. هل ستتضح صحة مقولة إن انخراط أميركا هذا، إنما جاء نتيجة استغلال إسرائيل عاماً انتخابياً حولته إلى عام كامل ويزيد من الحرب والتدمير والقتل، وقد يؤدي انتهاء الانتخابات إلى تحرير حكام أميركا من الابتزاز الذي تخلّله؟ أم يثبُت العكس، وتظهر واشنطن التي حاولت دائماً أن توحي بأنها تريد إنهاء الحرب، على حقيقتها كقائد فعلي لها، ولن تنهيها إلا بتصفية أي مقاومة لإسرائيل، ومعها القضية الفلسطينية، إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً؟
بغض النظر عن الاختلاف في التكتيكات بين رئيس وآخر، يدل تاريخ التدخل الأميركي في الصراع، على أن واشنطن معنية بالانتهاء منه بشكل أو آخر، بما يضمن أمن إسرائيل وهيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، سواء بتسوية أو بحرب. لكن الطبيعة الملحّة لما يجري في المنطقة حالياً، قد تفرض على صانع القرار الأميركي التصرف بطريقة مختلفة عن المعتاد. كما أن واقع الحال يشير إلى أن الشرق الأوسط بتعقيداته وصراعاته المرتبطة بالصراع مع إسرائيل أو المنفصلة عنه، ليس مجرّد متلقٍ لما يأتي من أميركا. وقد يكون من مجافاة الحقيقة القول حتى عن أكثر المتأثرين بما يأتي من أميركا إنهم مجرد متلقّين، وإنما هم يملكون رهانات يسعون إلى إنجاحها.
هذه الحالة الأخيرة تنطبق على دول الخليج العربية، وتحديداً السعودية والإمارات، اللتان لم تجهدا كثيراً لإخفاء رهانهما على فوز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب. وهذا يحيل إلى العلاقة التي ربطت بين وجوده في السلطة خلال الولاية الأولى من بداية 2017 إلى بداية 2021، وبين وصول ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى السلطة في انقلاب قصر عام 2017، وفقاً لترتيب رعاه محمد بن زايد الذي كان ولياً لعهد أبو ظبي، قبل أن يصبح رئيساً للدولة. ذلك المشروع كله أقامه ترامب بمعاونة صهره، جارد كوشنير، على فكرة التطبيع العربي، ولا سيما الخليجي، مع إسرائيل. ورغم فشل صفقة القرن في شأن القضية الفلسطينية، إلا أن التطبيع بين عدد من الدول العربية، سار رغم الفشل المذكور، فيما بقيت السعودية تتأرجح خارجه، بين تطبيع غير رسمي، ورفض للتطبيع الرسمي، من دون حل الدولتين، خشية أن يؤثر هكذا سيناريو سلباً على الحكم في المملكة، في ظل تزايد المتربّصين بالنظام السعودي من الداخل والخارج.
جاءت عملية «طوفان الأقصى» لتضفي صعوبات كبيرة على التطبيع الرسمي، بغض النظر عما إذا كان هذا من أهداف العملية في الأصل، ولتزيد من إحراج الدول التي طبّعت بالفعل، وتضعها في موقع المتهم بالخيانة. ولكن ذلك لم يمنع الدول المطبعة علناً أو سراً، من التعاون مع الاحتلال في حربه على المقاومة، بما يضيء على حقيقة رهانها، وإن احتفظت بهوامش للمناورة وخطوط للعودة. وفي ظل حقيقة أن كل ما تريده أنظمة الخليج، هو ضمانات لاستمرارها، فإن العلاقة السيئة عموماً، والتي ربطتها بإدارة جو بايدن، تبدو من أسباب تباطؤ مسيرة التطبيع، نظراً إلى عدم ثقتها بضمانات الإدارة، والتي تشكل أحد الشروط اللازمة لتلك المسيرة، والتي لا يمكن أن تتقدم إلا بترتيب ثلاثي بين أميركا وإسرائيل والدول المطبّعة، يكون بموجبه التطبيع جائزة لإسرائيل، تسدّد ثمنها أميركا على شكل ضمانات أمنية للأنظمة المذكورة، تتجسد في معاهدات دفاعية ثنائية أو جماعية.
ولكن مرة أخرى، مثلما سقطت صفقة القرن، وسقط معها التطبيع الرسمي السعودي، تواجه أي محاولات جديدة للتطبيع معوقات مماثلة، تزيد عليها الحرب الضروس التي تشنها إسرائيل على أكثر من جبهة عربية. وإزاء ذلك، قد تصبح هذه الدول أمام احتمالين: الأول إنهاء للحرب قد يتيح لها المضي في هذا المشروع، والثاني توسيع للحرب يعقّد المسألة أكثر فأكثر.