حماة المصارف: لبنان ملتزم بدفع ديونه... إلى الأبد!
«هلع» خوري، بما يمثّل داخل الطبقة الحاكمة، يعكس رؤية لـ«الإصلاح» المالي لها جذورها القوية في الأوساط السياسية والمالية والمصرفية، تقوم على حماية المصارف وكبار المودعين من دفع أي كلفة للخروج من الأزمة، رغم أنهم المستفيدون من تكوّن الدين العام الذي يجرّ بثقله لبنان نحو الهاوية. وهم لا يرون أي باب للحل سوى تكرار لازمة «التخلص من عجز الكهرباء» (أي رفع أسعار الكهرباء للمستهلكين)، وفرض ضرائب ورسوم إضافية (كـ 5 آلاف ليرة على البنزين، مثلاً)، وبلا أي إصلاح للنظام الضريبي. ويريد أصحاب هذه الرؤية منع أي نقاش حول إمكان خفض الدين العام، بذريعة أن اقتراحاً كهذا يهدد «صيت لبنان» وقدرته على الاستدانة مستقبلاً.
وبعيداً عن التصريحات، لم تفاجأ الأسواق المالية المحليّة بما قاله وزير المال، بل تعاملت مع الأمر انطلاقاً من معرفتها التامة بالوقائع وبعدم قدرة النموذج الاقتصادي اللبناني على الاستمرار في ظل النزف المالي، وإنما كانت تعمل على إثارة أكبر قدر ممكن من الضجّة التي تتيح لها التملّص من أي إجراء قد يمسّ أرباحها. بحسب مصادر مصرفية، فقد كان هناك امتعاض واسع من المصرفيين تجاه هذا التصريح، وهم شكّكوا بقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات بشأن التصحيح المالي وتوزيع الأعباء بشكل عادل، فضلاً عن اتهامات بالجملة للسياسيين بالفساد.
أما الأسواق الدولية، فقد أظهرت حساسية أعلى تجاه هذا الأمر، وهو ما خلق عرضاً متزايداً لبيع سندات الدين اللبنانية بالعملات الأجنبية، ما دفع بأسعار السندات إلى التراجع في مقابل ارتفاع التأمين عليها، بين 1.25% و6.21%. وشكّل هذا الأمر ضغطاً على كل المعنيين بهذه السندات من وزارة المال إلى مصرف لبنان. هذا الأخير تدخّل في السوق شارياً السندات المعروضة، من أجل التخفيف من حدّة الانهيار في سعرها وفي سعر التأمين عليها.
وبالتوازي، تلقى عاملون في وزارة المال اتصالات من العديد من المؤسسات المالية الأجنبية ومؤسسات التصنيف التي كانت تستفسر عن تصريح وزير المال وأبعاده والأهداف التي ينطوي عليها، ولا سيما أن عبارة ”إعادة هيكلة الدين العام“ لا يمكن أن تفهم إلا على شكل عملية واسعة لشطب جزء من الديون.
في الواقع، إن الأسواق المحلية والدولية، كانت تنتظر مثل هذا الخبر منذ فترة طويلة، انطلاقاً من معرفتها بالواقع اللبناني بكل تفاصيله. مشكلة هذه الشريحة من أصحاب رؤوس الأموال، أنهم يريدون تحويل إعادة هيكلة الدين العام إلى عملية تفاوض مع الحكومة لخفض حصّتهم من فاتورة التصحيح الذي لا مفرّ من القيام به. ومحاولتهم إثارة الذعر في السوق يندرج في هذا السياق بعدما فشلوا في تحويل الأنظار إلى رواتب موظفي القطاع العام الذين نالوا حقوقهم بعد سنوات من الصراع مع السلطة. عملية الالتفاف بدأت بدسّ بنود تصيب الشرائح الأكثر قهراً في المجتمع في التزامات لبنان في مؤتمر «سيدر». يومها أجرى صندوق النقد الدولي تقويماً لبنود المؤتمر، وزعم أن المعالجة تكمن في زيادة الضرائب على الاستهلاك وفي تقشّف الدولة عن الإنفاق على موظفي القطاع العام. لاحقاً، تناغم حاكم مصرف لبنان مع هذا الأمر وسوّق اقتراحاً يتعلق بفرض ضريبة على استهلاك البنزين بقيمة 5000 ليرة. كذلك ضغط مصرف لبنان على وزارة المال وتمكّن من إخضاعها لرفع أسعار الفائدة على سندات الخزينة التي تصدرها الوزارة بالليرة اللبنانية، بأكثر من ثلاث نقاط مئوية ونصف نقطة.
لبّ الصراع اليوم هو تلك الفاتورة الناجمة عن عملية التصحيح وفاتورتها. من يدفع الفاتورة وما هي حصّة كل طرف من اللاعبين المعنيين بها؟ هذا هو أصل القضية اليوم. ففي الأشهر الماضية، كانت هناك تقارير من جهات متخصصة وإعلامية أجنبية ومحلية تحذّر من الأزمة وتسارعها. كذلك صدرت تقارير من وكالات التصنيف تخفض النظرة المستقبلية للبنان من ”مستقر“ إلى «سلبي»، كما أن لبنان كان محوراً للكثير من الزيارات التي نظّمتها مؤسسات مالية توظّف أموالاً في سندات دين لبنانية، أو من كبار المودعين الذين سألوا كثيراً عن حجم هذه الأزمة وتداعياتها وإمكانية انفجارها. كل ذلك أوحى بأن تصريح وزير المال كان «القشّة التي يمكن أن تقصم ظهر البعير»، فيما الواقع أن الأمر برمّته يعكس حقيقة صراع المصالح على من يدفع فاتورة التصحيح.