قبل ساعات من شهر رمضان الماضي، سرّب خبر منع المسلسل السوري «ترجمان الأشواق» (كتابة بشار عبّاس، وإخراج محمد عبد العزيز ـــ إنتاج «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي») فاندلعت حملة على الفايسبوك السوري، لمناصرة العمل، والتنديد بفكرة المنع وحالة الرقابة المفروضة على الأعمال المحلية. جاء ذلك وسط تخبّط واضح في تصريحات الجهة المنتجة، ما أسهم في استمرار الحملة الافتراضية على السوشال ميديا إلى ما بعد شهر الصوم. وتمثلت الحملة بطريقة فيديوات مصوّرة لنجوم العمل، دعت إلى عرضه. لكنّ أحداً لم يتوقف عند خبايا القضيّة التي كشف كواليسها الكاتب السوري الناشئ حازم صموعة في حديثه إلى «الأخبار»، إذ يقول: «لم يمرّ نص «ترجمان الأشواق» على قراء مؤسسة الإنتاج التلفزيوني، والموافقة التي حصل عليها كانت لنص مختلف تماماً اسمه «أسوار دمشق» كتبته بمفردي، وقد حصد تقويماً ممتازاً من لجنة القراءة في المؤسسة، وأبرمت عقداً مع الجهة الحكومية وأدرج على خطة رمضان 2017 ليتولى مهمة إخراجه مروان بركات. وهذا معلوم تماماً لدى الصحافة التي تداولت الخبر مراراً. لكن بركات لم يتمكن من استقطاب الممثلين الذين اختارهم لأداء البطولة، بسبب قانون الأجور في المؤسسة. إذ اعتذر كل من النجمين بسّام كوسا وسلوم حداد عن عدم أداء الدور الرئيسي، رغم إعجابهما بالنص. هنا، لم يكن أمام بركات سوى فسخ عقده مع المؤسسة، ودفع قيمة الشرط الجزائي». ويضيف صمّوعة: «اختارت الجهة المنتجة أن يؤول العمل إلى محمد عبد العزيز كونه سبق أن اتفق معها على إنجاز مسلسل «أحلى عالم» للكوميديان الكبير دريد لحّام، ولم يكتمل إنجازه. وبالفعل، وافق عبد العزيز على النص، واجتمعنا بمديرة المؤسسة آنذاك الإعلامية ديانا جبّور، وأبدى المخرج بعض الملاحظات التي يجب تعديلها في النص. لكن بعد الاجتماع مباشرة، طلب مني إدخال خط جديد هو قصة فيلمه «ترجمان الأشواق» (علمنا بأن الشريط رفضت مؤسسة السينما السورية إنتاجه لأسباب تتعلق بجودة الفيلم وأخرى مرتبطة بالشق الرقابي). وكان المطلوب إنهاء تعديل العمل خلال 30 يوماً للحاق بموسم رمضان 2017، ولم يكن أمام المؤسسة خيار آخر كونها أدرجته في الخطة، وحالة عدم إنتاجه ستعرّضها لمساءلة الرقابة المالية». يستطرد الكاتب الشاب ويضيف: «لم يكن لديّ أي فكرة عن الشخصيات اليسارية، وكيفية انتقالها إلى التفكير الإسلامي كما يحكي نص الفيلم. مع ذلك، رحت أكتب بسرعة كبيرة لضيق الوقت، رغم أن ما طلبه المخرج هو إعادة صياغة المسلسل من البداية من دون مبرر لما يريد زجّه في نصي، على أن يكون بشار عبّاس معالجاً درامياً. هكذا، كتبت ثلاث حلقات تحت ضغط الوقت، ولم تكن بسويّة جيدة لأنه لم يتح لي البحث أصلاً في تاريخ الشخصيات الجديدة وعوالمها. وكان يفترض أن يعالجها عبّاس، لكن بعد فترة علمت بأن عبد العزيز وعبّاس ينويان وضع اسميهما كمؤلفين للنص، وهو أمر مجحف بحقي وغير منطقي». ويضيف صموعة: «تواصلت مع المخرج، فصدم بأنني عرفت كواليس كان ربما يودّ إخفاءها عني، وسرعان ما دعاني إلى اجتماع أخبرني فيه بأن الحلقات الثلاث الأولى لم تكن موفقة، وطلب أن نعود لمشروع «أسوار دمشق»، بشرط أن يعتذر عن عدم إخراجه، وهي محاولة ليّ ذراع، لأنه سيضعني أمام إشكالية كبيرة، باعتبار أنها أوّل تجربة كتابة لي، سيكون قد اعتذر عن عدم إنجازها مخرجان اثنان، كما أنه لم يعد أمامنا متسع من الوقت. لذا اتفقنا على أن ننتظر معالجة بشار عباس للحلقات لنرى النتيجة. وبعد 14 يوماً، أرسل ثلاث حلقات لم تكن سوى معالجة بعض الأحداث، وإعادة كتابة بعضها الآخر مع إقحام فكرة فيلم «ترجمان الأشواق». لكن عندما قرأت، وجدت نفسي أمام مقترح خال من كل عناصر الجاذبية.
بدء تصوير حوالى ثلاثين صفحة للشخصية التي يؤديها الممثل سعد مينه

لذا قررت أخذ مشورة كاتب محترف، فأعطاني علامة متدنية على ما قرأه. ولدى نقل وجهة نظر ذاك الكاتب ـــ الذي أتحفّظ على تسميته ـــ للمخرج، انحدر الموضوع نحو سوية عدائية كوني أدخلت طرفاً جديداً بغير وجه حق بحسب رأيه، وقال لي بأن الحلقات معتمدة إخراجياً... إن وافقت أو رفضت»! ويضيف صموعة: «كانت تلك الحلقات التأسيسية خالية من الدراما، وغارقة في التنظير، وكنت غير راغب في وضع اسمي على شغل لست مقتنعاً به، ومع ذلك امتثلت لتعليمات المخرج بكتابة الحلقة الرابعة، كوني أردت تحصيل باقي أجري، ومع ذلك وبعد وضعي الخطوط العريضة للحلقة الرابعة، وردني اتصال من المخرج ليلتها يطلب فيه شيئاً تعجيزياً وهو التوقف عن كتابة هذه الحلقة، وكتابة الحلقة الصفر! طبعاً قابلت الموقف بالتهكّم الضمني، كونها اتضحت نيّة إقصائي عن مشروعي، وقد فهمت الرسالة جيداً، فكتبت الحلقة الصفر بمزاج عال، بعيداً عن إملاءاته، وبعثتها مصحوبة برسالة اعتذار وانسحاب من العمل بسبب ما أحاطت به من ظروف نفسية متردية. هنا وردني اتصال من المؤسسة تطالبني فيه بإعادة المبالغ التي قبضتها، فرفضت على اعتبار أن نصي اعتمد ووافق عليه مخرج مرموق هو مروان بركات وأشاد به، ولا دخل لي بما تلا ذلك من إشكالات. فطُلب مني حلّ القصة من خلال التوقيع على ورقة تقول بأنه لا مانع لديّ من تغيير اسم مسلسلي، وبأن بشار عبّاس شارك معي في كتابة سيناريو «أسوار دمشق» ويحق له قبض جزء من ثمن النص، لسد أي فجوة رقابية، باعتبار أن الميزانية، بحسب القوانين الحكومية، لا تصرف للعمل إلا بعد تسليم الكاتب نصّه كاملاً. وبالتالي، فإنه بحسب السجلات الرسمية، صوّر «ترجمان الأشواق» على أساس أنه «أسوار دمشق»، لكن تم تغيير اسمه، وهذا غير صحيح، لكنني وقّعت صاغراً على ما طلب منّي الإمضاء عليه، كوني لم أكن أملك مما قبضته قرشاً واحداً، ولم يكن باستطاعتي إعادة أي مبلغ».

يزوّدنا صمّوعة بمجموعة رسائل إلكترونية تبادلها مع المخرج محمد عبد العزيز و«المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي» ليدعم ما جاءنا به، ويختم بالقول: «لا أنتمي إلا لنص «أسوار دمشق» الذي حصل على تنويهات عدّة من لجنة القراءة، وكتّاب وممثلين مكرّسين، واعتبر بأنه حلمي الذي تعرّض للقرصنة بطريقة لا تمت للأخلاق الفنية بصلة، وقد تحوّل فعلاً في فترة معينة إلى ما يشبه الكابوس»
فيما لو كان دقيقاً كلّ ما ذكر على لسان حازم صموعة، فإنه يكشف أن نص «ترجمان الأشواق» لم يمر على أي قارئ في «مؤسسة الإنتاج التلفزيوني». الرواية السابقة كاملة نقلناها للمخرج محمد عبد العزيز، فطلب مهلة للتعقيب، ثم عاد ليؤجل أي رد إلى ما بعد نشر المقال. أما عن مستقبل المسلسل، فقد باشرت المؤسسة الحكومية التحضيرات لبدء تصوير حوالى ثلاثين صفحة للشخصية التي يؤديها الممثل سعد مينه، مقابل مونتاج مشاهد أساسية من الشخصية التي يؤديها غسّان مسعود، امتثالاً لتعليمات الرقابة حتى يتم منحه الإذن بالعرض والتصدير إلى المحطات العربية.