ما أن نبدأ بقراءة ديوان الياس لحود الجديد «قصائد الشرفة» (دار الفارابي) حتى نحس أنّنا مدعوون إلى قصائد لا توحي استهلالاتها أنها ستلتمُّ على بعضها في خاتمة قريبة. لا يحدث ذلك في القصائد الطويلة وغير القصيرة فقط، بل حتى في قصائد مضغوطة وقصيرة. هناك نبرة أشبه بالتلاوة المتعالية أو الإنشاد الخفيف تفرض نفسها على القارئ وعلى ما يقرأه أيضاً.


ليست هذه الملاحظة شيئاً جديداً في تجربة الشاعر اللبناني الذي صدرت أعماله الشعرية في أربع مجلدات قبل عامين، فقصيدته هي ابنة الإيقاع والدندنة والغناء، وهي صفات وممارسات تفتح القصيدة ذاتها على مساحات واسعة للتعبير الإنشاد والترجيع والتدوير أيضاً. صحيحٌ أن هذا الإنشاد لا يطيح المعنى أو الاستعارات التي تنشأ من لغة القصيدة، ولكنه يظل مطارداً بالوزن والإيقاع وأحياناً بالقافية. الإنشاد مخلوط بالتأمل، والخلطة نفسها مفتوحة على روحية المسرح والحكي. نقول الحكي وليس السرد مثلاً، لأن شعر الياس لحود يستثمر خصوبة وطراوة اللغة العامية التي كتب بها شعراً عاميّاً أيضاً. الحكي والاسترسال يُطيلان القصائد الطويلة كما في «حوارية الامتاع والمؤانسة»، وفي «نزهة كلمات/ مسرحة مع بيكيت من خمسة مشاهد»، وفي «قصيدة الباب» (مرثية إلى مهدي عامل). وهي قصائد بعضها منشورٌ سابقاً، وتشكل مع أُخريات القسم الثاني من الديوان الذي عنونه الشاعر بـ «مسرح روزي». المسرحة والحوارية هما جزء من لعبة القصيدة المفتوحة على لغة تسمح بتغيير الإيقاعات والانتقال في الزمن وتبديل الضمائر، وهو ما نراه في مقطعٍ مثل: «كيف محّوكَ من القصةِ/ واغتالوكَ في وضْح الرجال/ أول الأسطر من يكتبها/ آخر الأوراق من يحرقها من الجَلِّ/ قالت حفنةٌ من زارعي التبغِ/ وقد سدَّت على الثغر بأسرار البنادق:/ قد سمعنا خبراً... قلنا تقدمْ أيها العمر بنا/ وتقدمنا رأينا وجه مهدي باسماً في كل جدران المباني/ وتقدمنا رأينا كلَّ مهدي صارخاً بالناسِ:/ «عذراً قد تأخرتُ تعالوا من هنا»/ واختفى في خيمة التينِ/ مشينا واخترقنا تعب الوجهِ/ (..)/ مشينا تحت مهدي/ وتركناهُ على الأرض ينامْ/ متعبٌ مهدي من القتلِ وأبطال الكلامْ». التوصيفات التي تتدخّل في صناعة قصائد الشاعر موجودة كلها تقريباً في هذا الاقتباس الذي يعلو فيه الإيقاع وتتغير الضمائر وتُوظَّفُ القافيةُ وتحضر اللغة العاميّة، بينما النَّفَسُ الرثائي يمنح القصيدة كلها بناءً درامياً ووجدانياً متمادياً.


لن يتخلى لحّود عن
إيقاعاته، ولا عن مشاكساته اللغوية

في قصائد القسم الأول، يختلف الأداء الشعري قليلاً، وخصوصاً في القصائد القصيرة. لن يتخلى صاحب «شمس لبقية السهرة» (1982) عن إيقاعاته، ولا عن مشاكساته اللغوية التي تختلط فيها الفصاحة ببديهيات الكلام الشفوي، لكنه سيضبطُ تدفق معجمه منذ البادية التي لن تتأخر في الوصول إلى الخاتمة. لا يحدث ذلك بمنطقٍ جافٍّ وعقلانية مسبقة بالطبع، إلا أن روحية ما يمكن تسميته بالضربة الشعرية الواحدة هي التي تجعل ذلك ممكناً ومدهشاً أيضاً، وهو ما نقرأه في قصيدة مثل «امرأةُ جميع الناس»: «الشمسُ على باب القِبلةِ/ وعلى باب القبلةِ وجهان/ وجهُ سماء البحرِ/ ووجهُ امرأةٍ فصّلها ياقوتُ البحرِ/ وخيَّطها خرزُ الصبيانْ/ الشمسُ على باب «القُبلةِ»/ عائدةٌ من بحر الأزمان/ الشمسُ الشمسُ/ امرأة البحرِ الشمسُ/ امرأةُ الجبلِ/ امرأةُ النهرِ. السّهلِ. الطحَّانِ، العصفور المذهولِ/ امرأتي. امرأة جميعِ الناسِ الشمسُ/ تقبّلنا من كلِّ مكانْ». في قصائد مثل هذه، تتلاشى تقريباً حالة الإنشاد والتطريب التي غالباً ما تترك خلفها شواغر يتكفّل الإيقاع والمعجم المتدفق بالتحايل عليها وحجبها عن القارئ. وهو ما يحدث بانضباط أشدّ في قصيدة «من الشرفة»: «هذا الباشقُ عملاقٌ .. عملاقْ/ يتجمّد في الريحْ/ فإذا حرّكَ عصفورٌ مشتاقْ/ زُرقتَهُ/ انقضَّ على زرقتهِ حالاً/ يشنقُها .. ويصيحْ». هناك وزنٌ صلب وقافيةٌ صارمة وكلماتٌ مُعادة أو زائدة (عملاق، حالاً)، لكن ذلك مقبولٌ في ظل قوة اللقطة المتخيّلة. في المقابل، نلاحظُ أن قِصر القصيدة لا يعني انضباطها الكامل مع معناها. إنها قصيرة ولكنها منجزة بأدوات ومزاج القصائد الطويلة للشاعر. الفارق أنها لا تضع القارئ في حالة الاستماع إلى إنشاد، ولا تشغله بالتطريب المجاني. ميزة تجربة الياس لحود أنه تقاسم مع عدد من مجايليه معجم «شعراء الجنوب» وحساسيتهم. تخفف من «إرهاب» الوزن من مجموعة إلى أخرى، مع مساهمة واضحة من منجزه في شعر العامية، إضافة إلى استثماره الناجح للكلام اليومي والحس التهكمي والسيولة المعجمية. ولهذا، يظل شعر الياس لحود قريباً من القارئ حتى لو كان هذا القارئ ميالاً أكثر إلى شعرية النثر العاري.
و«قصائد الشرفة» تطلّ فعلاً على مشهديات متعددة تتسع لمواد وحساسيات تُثري تفعيلات القصيدة، فنقرأ: «كتبَ الثلجُ نعْفاً غفيراً من القطنِ»، و«أيقظتُ باشلارَ من ذكرياتِكَ». وإلى جانب هذه التعبيرات، نجد قصائد مدينة بكاملها للإيقاع، فنقرأ: «من رمقي لعقتُ مرتين/ دمَ المدى وحيدر الحسينْ/ مسيحُ جسمي تلةٌ إذا/ صلبتَها سمَّرتني على / صدى القرى فجرينِ أسودين/ لكن لماذا كلّ ذي وذا/ ما دمتُ مسفوكاً بلا دمي/ والجسمُ مصلوبٌ بلا يدين».