في شريطها الوثائقي «كانت حكاية»، تروي المُخرجة اللبنانية الإرث الرحباني بتفاصيله من خلال قطبيه: عاصي وفيروز


بشير صفير
«رحّ نحكي قصّة ضيعة؛ لا القصّة صحيحة ولا الضيعة موجودة، بس بليلة هوّي وضجران، خرطش إنسان عَ ورقة، وصارت القصة وعمْرت الضيعة!». بهذه الأغنية، اختارت المخرجة ريما الرحباني أن تستهل شريطها الوثائقي «كانت حكاية»، الذي صدر حديثاً على DVD (مع كتيِّبٍ قيّمٍ، يحوي صوراً نادرة وترجمتَين كاملتَين إلى الفرنسية والإنكليزية). فعلاً، لا يمكن اختصار المشروع الفنّي الذي خلقه الأخوان الرحباني مع فيروز بأفضل من هذه الكلمات. فالـ«ضيعة» الرحبانية المثالية، هي من نسج الخيال. لكنّ الإبداع والتعب والإصرار، خلقت الأشياء من عدم. «وصارت القصة وعمْرت الضيعة» رغماً عن الواقع. تماماً مثل القطار في مسرحية «المحطة».
الشريط الذي فاجأت به ريما (الابنة الصغرى لعاصي وفيروز) الجمهور العربي،وبثّته قنوات محلية وعربية في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل عاصي (1923 ـــــ 1986)، هو «الحكاية» بلسان أبطاله الثلاثة: عاصي وفيروز... وعاصي/ فيروز، أي الأغنية. إنها الحكاية بتفاصيلها الصغيرة وعناوينها الكبيرة. يتولى عاصي الكلام عن الشعر والأغنية والمسرح ويشرح بكلمات بسيطة نظرته إلى الفن عموماً وتطوير الفولكلور. أما فيروز، فتصف عاصي و«صوره ومطارحه» الفنية التي سكنتها. تسرد آلية العمل المضني، وتروي تفاصيل ومواقف ومشاكل اعترضتها وعاصي، وكيفية معالجة الأخير لها. تتكلم بعباراتٍ عفوية. فيها من الألم والذكريات ما يبكي الصخر. ومن الفكاهة غير المنظورة ما يفرض على المشاهد ابتسامة قد تتزامن مع دمعة لا مبرِّر لها ولا تفسير. تصِف عاصي تارةً بـ «الشيطان» كأنها تدَلِّعه وتدلّ على حنكته، وتارةً بـ«الديكتاتور» لتبيّن مدى ثقته الفنية بنفسه ومعرفته بخفايا إبداعية يستحيل شرحها، لذا يجب فرضها خدمةً للجميع. ترافق كلامهما عيونٌ وحركات خفيّة. يبدوان كولدَين صغيرَين حصلت معهما حادثة، فشرعا يرويان فصولها... و«يتواطآن» في الكلام والصمت. تفصيلٌ من الأول، يكْمِله الثاني بآخَر مِن عنده. هنا يشعر الأول بأنه الأوْلى في هذا الشق من «الخبرية»، فيتحمس للمداخلة. وهناك يقتنص الثاني صمتاً لإضافة أمرٍ يأسر المتلقّي ويجعله أكثر إنصاتاً. ولمّا يفوتهما شيء، تتدخَّل الأغنية كدليل حسيّ يثبت صدقية «الشاهدَين»، فتحافظ على التسلسل المنطقي للأحداث (مقتطفات من مسرحيات وحفلات في دمشق والولايات المتحدة وباريس...).
كل هذا الوصف للقول بأنّ نقطة القوة (من الناحية التقنية) في «كانت حكاية» هي المونتاج. فمتى كان خروج فيروز عن صمتها أمراً طارئاً، تصبح العناصر الإخراجية الأخرى ثانوية. هكذا كان على ريما إعداد «المشهد» على عجل، والشروع بتصوير أكبر قدر ممكن من لحظات خالدة لن تتكرّر. لذا، فهفوة منها كانت ستكلفنا


نقطة القوة في الشريط هي المونتاج
الكثير. والتكلِفة كانت ستطاول أموراً تاريخية وجوهرية قد يتضح حجمها في المستقبل. من ناحية أخرى، ثمة عنصر في غاية البساطة والتعقيد، هو «تركيب» حديثين من زمنَين مختلفَين، في تسلسلٍ منطقي، بطريقة تبدو الحكاية معها كأنها تُروى من شخصَين جالسَيْن في الزمان والمكان ذاتهما. فمداخلات عاصي مقتطفة من مقابلتَين تلفزيونيَّتَين تعودان إلى أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. أي بفارق أربعين سنة عن رواية فيروز.
وفي الختام ذروة. تقول فيروز: «في الوقت، هوّي اللي بيقول كل الإشيا وبيحدِّد، الحقيقة مع الوقت...». ويُقفَل الشريط على خلاصته: «بتقول الخبرية، هوّي وهيّي من أول العمر، لآخر العمر، بتتخبّى بيلحقها، بتزعل بيراضيها، بتوقف بيسبقها، بيرجع يلاقيها، من أول العمر ولآخر العمر، هوّي وهيّي وخلصت الخبرية... ومتل ما قلنالكن، هيدي كانت قصة ضيعة، لا القصة صحيحة ولا الضيعة موجودة، كانت حكاية. حكينا حكاية، وتعبت الحكاية، والحكاية حكاية». يُذكر أن الـDVD يحوي أيضاً وثائقي «تحيّة زغيرة منك إلك» الذي أنجزته ريما في الذكرى التاسعة عشرة لرحيل عاصي.