III. السياسيون يستخدمون الإدارة العامة كأداة طيّعة

يمكن وضع حقبة ما بعد الحرب بكاملها تحت عنوان تحوّل ميزان القوى إلى مصلحة السياسيين ضد الإدارة العامة القانونية. ويسمح بذلك الطابع الهجين (hybrid) للدولة كما سبقت الإشارة. وقد أصبحت إرادة الأقطاب السياسيين أقوى من القانون وتشكّلت شبكات رجال أعمال مرتبطة بهم وطغت التعيينات الحزبية وأصاب الانحطاط القضاء كما الرقابة الإدارية.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

أ – النخبة «فوق القانون»
فضّل الباحثون أساموغلو وفردييه وروبنسون، إعطاء تعريف للدولة المتخلّفة، مختلفٍ عن الذي يربط تخلّفها بكونها دولة زبائنية سياسية. ورأوا أن ما يميّز الأنظمة السياسية لهذه الدول هو أنها ذات مؤسسات ضعيفة (weakly-institutionalized polities). المقصود هنا عجز المؤسسات التشريعية والقضائية والإدارية وتلك التي تمثّل التجمعات المهنية، عن أن تشكّل كابحاً للسلطة الإجرائية (أساموغلو وفردييه وروبنسون، 2004: 166؛ داغر، 21/ 9/ 2016). وربطوا بين هذه الخاصيّة وبين ديمومة هذه الأنظمة ولو أنها مكوّنة من لصوص (kleptocratic politics). وقد دمّرت المجتمعات التي هيمنت عليها. وكانت قادرة أن تمارس سياسة «فرّق تسد» بمعنى القدرة على رشوة الموالين ومعاقبة المعترضين. وخلقت على مستوى المجتمع حالة من عدم القدرة على الفعل الجماعي (collective action problem). وفي حالتَي الكونغو والدومينيكان اللتين عرضهما هؤلاء الباحثون كمثال، كان الرئيس «فوق القانون» وكانت إرادته هي القانون النافذ في كل أمر، بمعزل عن النصوص الوضعية. وهو استغل وقوفه «فوق القانون» للتحكّم بالتعيينات الإدارية من مستوى مجلس الوزراء حتى آخر موقع في الإدارة العامة.
ووضع أودونيل هذه الأنظمة تحت عنوان «الديمقراطيات بالإنابة» (delegative or illiberal democracy) حيث لا المحاسبة العمودية (vertical) الممثّلة بالانتخابات ولا المحاسبة الأفقية (horizontal) التي تقوم بها المؤسّسات الرقابية على عمل السلطة الإجرائية تؤدّيان دورهما. كما أن لا فعالية للمحاسبة المجتمعية (societal) التي يمكن أن يمارسها الجمهور من خلال توقيع العرائض أو الاعتراض في الشارع (داغر، 2017).

ب - رجال الأعمال
ارتبطت بالأقطاب السياسيين شبكات من رجال الأعمال بعلاقات منفعة. وهم لم يكونوا يظهرون في الصورة ولا يعرفهم الجمهور. ويمثلون فئة المستفيدين من القرارات الحكومية. وكانت الصفقات تجري في الخفاء (informalité) وتستفيد منها شبكاتهم (réseaux). وكانت أي مبادرة من مبادراتهم تقوم على توسّل السياسة لتحصيل ريوع (rent seeking) (هيدمان، 2004). ونقع عليهم في ميادين مختلفة من مثل توفير المحروقات وخدمات الإنترنت وغير ذلك. وليس الوزراء كتجسيد للسلطة التنفيذية هم من يتخذون القرار. بل هم ينفّذون مشيئة الأقطاب السياسيين. وتُظهر الاستقصاءات أن لرجال الأعمال هؤلاء دوراً مباشراً في اختيار الوزراء الذين يعوّل عليهم للسير بخصخصة المؤسسات الحكومية.

ج - «التعيينات الخاصة»
يرى البعض أن الخصخصة لم تكن بالضرورة خيار جميع السياسيين. بل إن الإبقاء على الإدارات والمؤسسات العامة لتوزيع المنافع بدا للبعض خياراً أفضل. وهو ما سماه كريستوفر كلافام «الدولنة لمصلحة المحاسيب» (crony statism) (كلافام، 1996: 167).
وخلال عهدَي الرئيسين شهاب وحلو، كانت الإدارة الحكومية مستقلّة بالفعل لأن التشريعات الشهابية انتزعت من الوزير أي حقّ بتنسيب العاملين في وزارته وأوكلت ذلك إلى «مجلس الخدمة المدنية». وذلك من خلال العمل بنظام المباريات الوطنية (داغر، 23/ 7/ 2020). وكان النموذج في ذلك دولاً كفرنسا وإنكلترا اقتضى منها قرناً كاملاً لانتزاع الإدارة العامة من نفوذ السياسيين (درايفوس، 2000؛ داغر، 18/ 9/ 2020). أما بعد الحرب، فقد تم إلغاء شرط عدم الانتماء الحزبي للموظف الحكومي (إنغلز، 1999: 193). وعملت القوى السياسية على زرع محازبيها في كل مؤسّسة أو إدارة. وبات المرور بـ«مجلس الخدمة المدنية» يحصل فقط للتعمية. أي أصبحت الإدارة العامة بعد الحرب نقيض إدارة شهاب. وقد خرجت عملية التنسيب إلى القطاع العام عن كل القواعد الملزمة في تكوين الإدارة الحديثة. وتم استبدال المباريات الوطنية التي تلبي شرط الاستحقاق بـ«التعيينات الخاصة» (special nominations) أي الحزبية.
وأُسقط موظفون من خارج الملاك على وزارة المالية عام 2004، أصبحوا هم أصحاب القرار فيها. وجرى تنسيب موظفين ينتمون إلى فريق بعينه نجحوا من دون غيرهم في امتحانات الدخول. واستُحدثت مناصب جديدة وأُجريت تشكيلات أتاحت لهذا الفريق التحكّم بمفاصل الوزارة. وصدر قانون خاص بموظفي المركز الآلي أتاح دفع أجور للمتعاقدين بالفاتورة يتجاوز معظمها ضعفي أجور الموظفين المثبّتين (سعود، 23/ 5/ 2010). وفي استجواب لجنة الموازنة والمال عام 2019 لرئيس أوجيرو أقرَّ مراراً بأن التوظيف في الوزارة كان في معظمه سياسياً (الفرزلي، 4/ 4/ 2019). وفي بلدية بيروت تولى «مجلس الخدمة المدنية» إجراء مباراة أتت النتيجة فيها لمصلحة «منطقة واحدة وطائفة واحدة ولون سياسي واحد». وأصبح كل رؤساء الدوائر من لون سياسي واحد. وعُيّن رئيس دائرة الخزينة رئيساً لمصلحة المالية بحيث يصرف ويراقب نفسه بنفسه. وجرى الأمر ذاته في مصلحة الهندسة (سعود، 7/ 10/ 2011).
وفي وزارة العدلية برزت أزمة المساعدين القضائيين على مدى حقبة ما بعد 1990. وبلغ الشغور 1200 موظف من أصل مجموع هو 1855، يتوزّعون كرؤساء أقلام وكتبة ومباشرين. وأصبح المباشرون الذين يتولون التبليغات يُكلّفون بمهمات كاتب، والكتبة يُكلفون بمهمات رؤساء أقلام. وأصبحت المحسوبية هي المعيار (مرتضى، 20/ 9/ 2011).
لعل أهم مظهر لقوّة الأقطاب بعد الحرب كأناس فوق القانون، هو تعطيل أيّ ملاحقات قضائية يمكن أن تطاول أزلامهم أو المنتفعين منهم


ويعطي النظام الداخلي لمجلس النواب رئيسه صلاحية تنسيب الموظفين بمن فيهم المديرون العامون الذين هم موظفو فئة أولى كما وتعديل الملاكات من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء أو أي سلطة رقابية. أي يُعيّن الموظفون بقرار منه من دون المرور بأية مباراة. ويعطي القانون «هيئة مكتب المجلس» صلاحية وضع موازنة المجلس وإنفاقها. وهناك وفق دراسة لرئيس سابق للمجلس الدستوري أكثر من 400 موظف مع غياب الاختصاصيين. فأجر المستشار القانوني كان مليون ليرة، الأمر الذي كان يجبر اللجان النيابية على الاستعانة بخبراء من القطاع الخاص (سعود، 19/ 2/ 2010).
وقد تسلّطت المكاتب التربوية الحزبية على الجامعة اللبنانية وأصبحت الطرف الذي يعود إليه إجراء التعيينات داخلها. وانضمّت هذه المؤسّسة إلى غيرها من المؤسسات التي يُعاقب فيها من يعملون (الحاج، 28/ 2/ 2020).
وبدا في هذا الإطار تصحيح الخلل طائفياً في تنسيب الموظفين مورداً استثمره بعض السياسيين إلى أقصى حد. وذلك لاستخدامه في تكوين شبكات محاسيب. ودخول هؤلاء على خط تصحيح الخلل الطائفي لم يستثن مؤسسة أو إدارة حكومية. وأصبحت كل إدارة ميدان تناتش للمواقع. وهو ما أدخل هذه الأخيرة في محنة. وكان النزاع يتخذ أحياناً شكل إقصاء من قبل فريق سياسي لموظفي الفريق الآخر من المراكز العليا في وزارة من الوزارات. ويرد المُقصَون بالطريقة ذاتها في الوزارات التي يتحكّمون بالتعيينات فيها (وهبه، 30/ 1/ 2019).
وكان الأمر مجزياً أكثر للقوى السياسية حين كان طرفان طائفيان يتواطآن لاحتكار التعيينات واقتسامها. وكان القاسم المشترك في هذه التعيينات إعطاء الأفضلية للفاشلين. ويصعد هؤلاء في السلّم الاجتماعي ويصبحون هم النخبة بمقدار ما يتم تغييب معايير الاستحقاق والكفاءة لمصلحة اكتساب الولاءات بالتنفيعات. وليس لدى الفاشلين غير العنف الذي يمارسونه ضدّ كل الذين ينظرون إليهم كما هم. وغالباً ما تكون لهؤلاء مشكلة مع تأهيلهم المهني. ويتحوّل الغبن المتراكم لديهم إلى رغبة بإلحاق الأذى بالآخرين. وتصبح البلاد جحيماً حين يصبح المحيط الاجتماعي لكل مواطن مليئاً بهم.
وبات شائعاً، بل وشأناً عادياً، أن يحصل المرتكبون على ترقية بدلاً من العقاب. أي يكفي أن تكون هناك شوائب في السجل الوظيفي لأحدهم لكي يصبح مؤهلاً أكثر من غيره للترقّي الوظيفي.
وتُظهر جلسات مختلف الحكومات ومنها حكومة الرئيس دياب، أن الملف الذي كانت له الأولوية على الدوام هو ملف التعيينات. وهو كان يختصر جدول أعمال أغلب الجلسات.

د - القضاء
نصّ «اتفاق الطائف» على إنشاء «المجلس الدستوري» و«المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء» و«المجلس الأعلى للقضاء». وتم باكراً اختصار دور «المجلس الدستوري» بحذف عبارة «تفسير الدستور» الواردة في «وثيقة الطائف» من صلاحياته. وحُصر دوره بمراقبة دستورية القوانين (صاغيه، 2008: 7). وحصر البرلمان عام 2005 صلاحية ملاحقة الوزراء بمجلس النواب كمرجع للاتهام. وانتهى بالتالي دور «المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء» الذي لم يلتئم مرة واحدة منذ إنشائه عام 1990. وكانت محكمة الجنايات قد أصدرت عام 2002 قراراً بعدم صلاحية القضاء العادي للنظر في ملاحقة الرؤساء والوزراء (ناصيف، 11/ و 16/ 3/ 2019). أما «مجلس القضاء الأعلى» فيُعيّن أعضاؤه من قبل مجلس الوزراء.
وشهدت السنوات الأولى بعد 1990 استقالات كثيرة في صفوف القضاة بسبب انهيار مداخيلهم الموروث من فترة الانهيار النقدي في الثمانينيات. وجرى تنسيب أعداد من القضاة الذين لم يتخرّجوا من معهد الدروس القضائية. وكان ينبغي انتظار عام 1998 لكي تعيد سلسلة الرتب والرواتب الجديدة للجسم القضائي معاشات لائقة (صاغيه: 11).
واتخذ بعض السياسيين النافذين خلال السنوات الأخيرة من التدخل في القضاء والضغط عليه لمصلحة المحاسيب وسيلة رئيسية لاكتساب الولاءات. وخضع القضاء لضغط غير مسبوق لإصدار أحكام متحيّزة. وبات الناس يتوجّسون من القضاة الذين يصدرون أحكاماً جائرة بحقهم بضغط من السياسيين. وبات موضع تندّر قول قضاة لصحافيين ملاحقين بأنه يكفي التواصل مع الوزير فلان لتتوقّف الملاحقات.
ولعل أهم مظهر لقوّة الأقطاب بعد الحرب كأناس فوق القانون، هو تعطيل أي ملاحقات قضائية يمكن أن تطاول أزلامهم أو المنتفعين منهم. بل لم يكن ممكناً ملاحقة موظفين مرتشين كلما اعترض على ذلك «الزعماء». وقد تم إيقاف ملاحقات قضائية لهذا السبب بالذات.
وبرزت فئة من القضاة المدعومين سياسياً الذين يُكافأون بأفضل المراكز ولا يقومون بمهماتهم. وهم لا يداومون كما يجب ويتولى المساعدون القضائيون إنجاز الملفات عنهم (مرتضى، 22/ 6/ 2019). وأظهرت لائحة أعدّتها «لجنة الرقابة على المصارف» استفادة عدد من القضاة بشكل مخالف للقانون من قروض سكنية مدعومة من مصرف لبنان مخصّصة لتملّك المسكن الأول (عقيقي، 24/ 10/ 2019).
وفي عام 2019 تم الاشتباه في قضاة ومحامين وضباط ومساعدين قضائيين وأطباء في قضايا إخفاء أحكام قضائية للحؤول دون توقيف متورّطين وتوسّط لإخلاء سبيل موقوفين وإبراز تقارير طبية مزوّرة (ملف، 7/ 3/ 2019). وتبيّن أن هناك شبكة من السماسرة ودافعي الرشى ومتلقّيها في العدلية. وتم توقيف 50 شخصاً (مرتضى، 18/ 3/ 2019). وأوردت إفادات السماسرة القضائيين أسماء 16 قاضياً. وتسبّب مضمون تسجيلات بين قضاة وموقوفين بإيقاف خمسة قضاة عن العمل (مرتضى، 22/ 6/ 2019). وقدم هؤلاء استقالاتهم أو تم فصلهم من القضاء بعد إحالتهم من قبل هيئة التفتيش القضائي على المجلس التأديبي (مرتضى، 13/ 3/ 2021). وبحسب الوزير السابق وئام وهّاب، فإن هناك 173 ملفاً لقضاة مرتشين من أصل 530 قاضياً، أو ثلث الجسم القضائي في حوزة وزير الداخلية (مداخلة، 20/ 12 / 2020).

ه - الرقابة الإدارية
شكّلت إعادة تكوين حسابات الدولة المالية ووضعها في يد القضاء في عام 2019 تصدياً للتسيّب الحاصل على مدى عقود وانتصاراً للإدارة القانونية ضد السياسيين و«كارهي الدولة».
وعلى مدى حقبة ما بعد الحرب كانت الاستعانة بـ«مجلس الخدمة المدنية» تحصل لإجراء مباريات محصورة، أي داخل الإدارات والمؤسسات المعنية لإعطاء شرعية للتعيينات الحزبية وتبرير تثبيت المعنيّين. وقد غاب التقرير السنوي الذي كان يصدره هذا المجلس بعد 2013 (الحاج، 1/ 5/ 2020). ويعاني التفتيش المركزي من شغور حادّ فيه. وأجريت عام 2017 مباراة مفتشين تربويين لم يعيّن مجلس الوزراء الناجحين فيها (الحاج، 1/ 5/ 2020).
ويتولى «ديوان المحاسبة» الرقابة المسبقة والرقابة المؤخّرة على الموازنة الحكومية. وقد استثنيت إدارات ومؤسّسات مثل مجالس الإنماء والإعمار والجنوب والمهجرين وكهرباء لبنان والضمان والليطاني ومصالح المياه من رقابته المسبقة. كما استثنيت من الرقابة اتفاقيات القروض الخارجية والهبات. وكان له دور رئيسي بعد 2005 في إظهار الخلل في عمل وزارة المال. وأشار رئيسه عام 2010 إلى أن الديوان لم يتسلّم منذ 1993 أي حساب مهمة صحيحاً من الوزارة. وأصدر حتى 2012 نحو 14 قراراً قضائياً بهذا الشأن. ولم تستجب الوزارة إلى مراسلاته بشأن حسابات المهمة غير المكتملة المرسلة إليه. الأمر الذي عطّل عمله (وهبه،11/ 10/ 2010؛ جلسات، 3/ 11/ 2010؛ المؤتمر، 7/ 3/ 2012؛ وهبه، 28/ 6/ 2020). وقد دأب مجلس الوزراء على كسر القرارات التي يتخذها الديوان باعتماد موافقات استثنائية (ابراهيم، 4/ 11/ 2020). ويعاني هو الآخر من شغور كبير في المحاسبين الماليين يصل إلى 50% من الكادر المطلوب (الحاج، 1/ 5/ 2020).
وتم إفراغ «إدارة المناقصات» من الكادر التقني لدراسة المناقصات الحكومية (وهبه، 12/ 2/ 2014). وهناك 93% من الصفقات العمومية لا تخضع لأي رقابة. وكانت لجنة الإدارة والعدل النيابية قد درست تعديل مرسوم إنشاء التفتيش المركزي لجعل «إدارة المناقصات» مستقلّة عنه وتفعيلها. لكنّ الحكومة استردت المشروع عام 2018. ثم قدّم وزير المال مشروعاً ينتزع من «إدارة المناقصات» حقها في الرقابة على المناقصات حتى تلك التي كانت تحت إشرافها. وانتزع منها حقها في إعداد دفاتر شروط المناقصات وفي تكوين لجان التلزيم. وأصبح إجراء المناقصات من صلاحية الوزراء ومجلس الوزراء. وبقي لهذه الإدارة في المشروع المقدّم أن تنشر الإعلانات وتحفظ السجلات وتجمع البيانات، وأن تقوم بتلزيم «اللوازم المكتبية والقرطاسية وخدمات التنظيف...» التي يكلفها بها مجلس الوزراء (الفرزلي، 17/ 10/ 2019).

IV. انهيار المقدرة الإدارية
اعتمد الباحث نيكولاس فان دو وال مفهوم الدولة النيو-باتريمونيالية لتفسير فشل بلدان أفريقيا في التنمية. واعتمد أعمال تيار المؤسساتية المقارنة لتوضيح الشروط التي ينبغي أن تتوفّر عليها الإدارة العامة لكي تتمكن من تحقيق التنمية (فان دو وال: 113-151). وهي استقلاليتها (autonomy) ومقدرتها الإدارية (capacity) وعلاقتها بالخارج (transnational linkages). وقد تسبّب انهيار المقدرة الإدارية في إفشال التنمية في هذه البلدان.
ورأى باحثون متخصّصون أن مساعدات المؤسّسات الدولية لبلدان أفريقيا على وجه الخصوص هي التي منعت تشكّل إدارة حكومية كفيّة في هذه البلدان (فان دو وال: 188-234). كان الموظفون الكبار يستقيلون من الإدارة العامة ويلتحقون ببرامج المؤسسات الدولية حيث يقبضون أضعاف رواتبهم السابقة. وقطع الشغور الحاصل الطريق على إمكان «التعلّم في ميدان صوغ السياسة العامة» (policy learning)، لأنه لم تعد هناك إدارة لكي تتعلّم (داغر، 4 و11/ 3/ 2019).

أ - دور البنك الدولي
تُظهر الوقائع أعلاه مسخرة «بناء القدرة» (capacity building) التي وعدت بها المؤسّسات الدولية لبنان كما غيره من البلدان النامية. وفي استعراض الباحثة الغزيري لتجربة البنك الدولي في ميدان الإصلاح الإداري أظهرت حقبتين، الأولى امتدت من تقرير برغ الشهير عام 1981 حول أفريقيا حتى عام 1997. وتولى البنك الدولي خلالها تنفيذ الشق المتعلّق بخفض عديد الإدارة العامة وخفض مداخيل العاملين فيها كجزء من برامج التصحيح الهيكلي التي أعدها صندوق النقد الدولي (الغزيري، 2006). واستند في ذلك إلى الأفكار التي بثّها تيار النفعيين الجدد ومدرسة «الاقتصاد السياسي الجديد» (NPE) اللذان عمدا إلى شيطنة الدولة وتسويغ انسحابها بالكامل من الاقتصاد. وأظهرت أن تقرير البنك الدولي لعام 1997 عكس التأثر بمدرسة «المؤسساتية الجديدة في الاقتصاد» (NIE) لجهة التركيز على دور المؤسّسات. ونتج من ذلك بلورة مفهوم الحوكمة (governance) وتركيز البنك الدولي على الشراكة (partnership) مع البلدان المعنية ببرامج الإصلاح وعلى تولي هذه البلدان بنفسها (ownership) تنفيذ هذه البرامج.
لكنّ شيئاً لم يتغيّر خلال المرحلتين لجهة تركيز البنك الدولي على خفض عديد الإدارة العامة من خلال الخصخصة وعلى ضبط كتلة الأجور وخفض تقديمات الدولة الاجتماعية كالمعاشات التقاعدية. وأظهرت الباحثة هيبو أن الشغل الشاغل للمؤسسات الدولية وأولها البنك الدولي منذ مطلع الثمانينيات، كان تحرير التجارة الخارجية لبلدان العالم الثالث وخفض دور الدولة فيها. واستخدم البنك الدولي لتبرير ذلك خطاباً انتقائياً تصرّف فيه بأفكار الباحثين بما يناسب هدفه (هيبو، 1998). لكن الهدف بقي هو نفسه، بصرف النظر عن كل الهراء التنظيري الذي رافق دوره، والذي تُرك للراغبين أن يتلهّوا به.

ستتضح تدخلات البنك الدولي أكثر لو أخذنا في الاعتبار وقوفه مع خصخصة الإدارة العامة وضدّ أي تصحيح للأجور فيها ودور «الإدارة الرديفة»


وقد أظهر الرئيس رفيق الحريري التزامه بعدم استعداء السياسيين في موضوع الإدارة العامة، بالامتناع عن ما من شأنه أن يحدّ من تدخلاتهم فيها. وعبّرت عن ذلك تسمية وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية. وقد تولّت هذه الوزارة التي تكونت من خبراء أجانب ومحليين ينتمون إلى «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، مهمتين هما مكننة الإدارة العامة وإعداد تصوّر لكيفية تطويرها. وعُهد بذلك إلى وحدتين في الوزارة حلّتا محل المديريات في الوزارات التقليدية. ورفضت الحكومات المتعاقبة إعطاء الوزارة ملاكاً إدارياً دائماً. وبالنسبة إلى الباحثة الغزيري فإن ما كان غائباً بعد الحرب هو تكوين تصوّر حكومي تُناقش على أساسه أطروحات الإصلاح المقدمة من المؤسسات الدولية. وقد طغت بدلاً من ذلك الرغبة لدى المسؤولين بإرضاء المانحين الدوليين للحصول على التمويل الذي رصدوه للإصلاح الإداري (الغزيري، 2007: 196).
لكنّ حقيقة الأمر هي أنه كانت هناك منفعة مشتركة لكلا الطرفين من العلاقة التي قامت. وهي عبّرت عن نفسها من خلال خلق «إدارة رديفة» مكوّنة من موظفين وخبراء تابعين لـ«برنامج الأمم المتحدة للتنمية» (UNDP) على وجه الخصوص كانوا حاضرين في الإدارات الأساسية على مدى 3 عقود. ويرى باحثون أن الوزراء كانوا يقايضون تسهيلاتهم للبرنامج باقتراح أسماء محاسيب يتم توظيفهم من خلال البرنامج برواتب عالية لا تشبه ما يحصل عليه الموظفون العاديون (عيراني، 31/ 3/ 2014).
وشرح تقرير صدر عن رئاسة مجلس الوزراء محتوى عقود البرنامج مع 7 إدارات ووزارات. وشكّل الموظفون التابعون للبرنامج عديد وزارة الدولة للتنمية الإدارية. وكانوا موجودين بقوّة في الإدارة الضريبية داخل وزارة المال. وتولوا ملف سياسة لبنان التجارية والعلاقة مع منظمة التجارة العالمية في وزارة الاقتصاد. وكانوا متواجدين في وزارات البيئة والطاقة والتربية. ولعبوا دوراً رئيسياً في بعض المراحل في رئاسة مجلس الوزراء. وأظهر التقرير أن رئاسة الحكومة كانت تعوّل على فريق البرنامج لإعداد الملفات التي ستُطرح على مجلس الوزراء ولتقديم تصوّرات بشأن مشاريع التنمية المقبلة ولإعداد تقارير تتناول علاقة لبنان مع الخارج ولتمثيل لبنان في مؤتمرات دولية (وهبه، 22/ 8/ 2017). أي أن هذه الإدارة الرديفة سمحت بتجاهل إدارة حكومية كان شغورها لا يفتأ يزداد يوماً بعد يوم.
وقد اشترى مكتب رئاسة الحكومة سنة بعد سنة عقوداً استشارية من البرنامج بملايين الدولارات تحت عنوان «تعزيز اتخاذ القرارات في مكتب رئيس الوزراء» (ابراهيم، 24/ 8/ 2020). وهي مبالغ مختلفة عن ما تخصصه الدولة كل عام لدفع رواتب موظفي البرنامج وتلحظها الاعتمادات المدرجة في الموازنة. وكانت هذه الاعتمادات تساوي 14.5 مليار ليرة أو نحو 10 ملايين دولار سنوياً، أي أن متوسط الأجر الشهري للموظف التابع للبرنامج كان يوازي 8000 دولار.
وبعد حصول الانهيار في سعر صرف الليرة رفضت وزارة المال الاستمرار بدفع رواتب هؤلاء بالدولار. وأعلنت حكومة الرئيس دياب إيقاف برنامج التعاون الحكومي مع الـUNDP. وكانت ثمة برامج تُنفّذ خلال السنوات الخمس الأخيرة بقيمة 60 مليون دولار سنوياً تدفع الدولة 9 ملايين دولار منها ويسدّد داعمون خارجيون الباقي. وهي تناولت عام 2019 أموراً من مثل دعم المجتمعات المضيفة، وبرنامج الطاقة المتجدّدة، وصناعة السلام في لبنان، والأمن والعدالة، والحوار اللبناني الفلسطيني، ومشروع المغترب اللبناني، وكبح التطرّف العنفي، وأموراً فذّة أخرى من هذا الطراز (ابراهيم، 24/ 8/ 2020).
لكنّ الاكتفاء بما ينفّذه «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» كمشاريع لا يعطي صورة كافية عن دور المؤسسات الدولية وخصوصاً البنك الدولي. وقد أصدر «مكتب البنك الدولي» في لبنان عام 2013 بمناسبة التحركات للمطالبة بتصحيح الأجور تقريراً وقف فيه ضدّ تصحيح الأجور باعتبار أن رفع الأجور يرفع كلفة الإنتاج ويؤذي التنافسية ويزيد القدرة على الاستيراد. واقترح سيناريوات لتغطية كلفة الزيادة لو حصلت (البنك الدولي، 2013).
ولو أخذنا في الاعتبار وقوف البنك الدولي مع خصخصة الإدارة العامة ووقوفه ضد أي تصحيح للأجور فيها والدور الذي تلعبه «الإدارة الرديفة» لأصبحت صورة تدخّله أكثر اكتمالاً. ولا يمكن إغفال أن استشراء الفساد على نحو فظيع في الإدارة العامة خلال العقدين الأخيرين لا يمكن فصله عن تجميد رواتب الموظفين الحكوميين نحو 20 عاماً بين عامَي 1997 و 2017.

ب - الشغور والمياومون
ازداد الشغور في الإدارة العامة اللبنانية رغم ازدياد أعداد المنتسبين إلى القطاع العام. وأظهر تقرير وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري في عام 2000، أن عشرة آلاف وظيفة كانت شاغرة من مجموع يساوي 22 ألف وظيفة. أي أن نسبة الشغور كانت 45%. وبلغ الشغور في وظائف الفئتين الثالثة والرابعة 86.5% في وزارة الصناعة و85% في وزارة البيئة و85% في وزارة الثقافة (داغر، 16/ 3/ 2003). وبحسب «المرصد اللبناني» كان عدد الوظائف في الملاك الإداري الدائم يساوي 25 ألف وظيفة عام 2013. ومع احتساب الدائمين والمتعاقدين والأجراء، يكون الشغور 9.4 آلاف وظيفة أو 38% من المجموع (المرصد، 2013: 27). لكنّ «الدولية للمعلومات» رأت أن الشغور الفعلي هو في الفئات من الثانية حتى الخامسة. وهو بالآلاف. وقد طاول عام 2017 نحو 17 ألف وظيفة من أصل مجموع يُقدر بـ 24 ألف وظيفة، أي 70% من المجموع (سمعان، 20/ 2/ 2017).
وقد باتت الإدارة العامة اللبنانية مع تزايد الشغور فيها مكوّنة بشكل متزايد من مياومين. وهي صيغة تفيد السياسيين وتنعكس تردياً في مستوى الخدمة العامة. وليس هناك إحصاء دقيق للمياومين، ولا توصيف لعقود عملهم. واعتمدت بعد الحرب صيغ جديدة لتنسيبهم هي عقود غبّ الطلب أو عمل بالفاتورة أو عقود صيانة وحراسة مع متعهدين من القطاع الخاص. وهم لا يُدرجون بشكل رسمي في جداول الإنفاق وليسوا مسجلين في الضمان. وهم محميون سياسياً ويحصلون على بدل مادي ضئيل وليس لديهم حافز لتأدية العمل الذي انتدبوا من أجله (المرصد: 64). وتتجاوز أعدادهم عدد موظفي الملاك في العديد من المصالح المستقلة كـ: مياه بيروت ومياه لبنان الجنوبي وكهرباء لبنان. وتبلغ أعدادهم عدّة مئات في الريجي ومستشفى بيروت الحكومي وأوجيرو والميدل إيست ومرفأ بيروت (المرصد: 46). وفي مختلف قطاعات التعليم يُسمى المياومون متعاقدين بالساعة وهم بالآلاف في التعليم المهني والتعليم الأساسي والثانوي. ويبلغ عدد المدرّبين في الجامعة اللبنانية ضعفي عدد موظفي الملاك (المرصد: 51).



شغور الملاكات: المشكلة في التنمية
يوحي الاكتفاء بتسجيل مشكلة الشغور في الإدارة العامة بأنه يكفي تعبئة الملاكات لتحلّ المشكلة. لكنّ المشكلة الرئيسية هي في مكان آخر. يكتسب توفير صلاحيات تدخّلية في الاقتصاد للإدارة العامة اللبنانية أهمية أكبر بمراحل من مجرّد ملء الشواغر. أي لا يمكن للإدارة العامة اللبنانية أن تنسج على منوال إدارة ما قبل 1975. فهذه الأخيرة لم تكن تدخّلية في أي وقت منذ المتصرفية. وهي كانت تهتم «بالتأكد من الالتزام بالقانون» (regulatory) ولم تكن «تنموية» (developmental) بأي شكل من الأشكال. ولأن قطاعات الإنتاج الرئيسية لم تحظَ بأي تدخّل حكومي لمصلحتها، ترك أهلنا الريف كما لو كان أرضاً محروقة واختفوا في المهاجر (داغر، 5 و 6/ 9/ 2011). وليس في هذا مفخرة بل عكست التجربة قبل عام 1975 فشلاً ذريعاً في التنمية وفي البناء الوطني.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام