اجتازت فرح خليل، العام الماضي، امتحانات الثانوية العامة بنجاح. لكن «همّاً» آخر وأكبر كان ينتظرها: أيّ تخصص جامعي تختار، خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية تفرض «شروطاً» على الخيار العلمي؟ فهي، مثلاً، تميل إلى اختصاص تقويم النطق غير المتوافر سوى في الفرع الثاني لكلية الصحة، في منطقة الفنار البعيدة عن مكان سكنها، «ولا يمكنني تحمل العبء المادي للمواصلات». اختارت دراسة العلوم التمريضية لأنه اختصاص متوافر و«يتيح فرص عمل أكثر من غيره، كما سمعت»... لكنها لم تكن بين المقبولين في مباراة الدخول، فلم يبقَ أمامها سوى دراسة الكيمياء الحياتية في كلية العلوم - الفرع الأول. بعد أشهر على الدراسة، تيقّنت فرح من أنها لا ترغب في الاستمرار في الاختصاص الذي اختارته «عنوة»، فتوقفت عن متابعة الحصص، وعادت إلى المربع الأول: إلى أي تخصّص جامعي ستنتقل؟

آثرت فرح البقاء في التخصص «على علاته» على أن تترك الجامعة، بخلاف جاد قطيش الذي انتهى به الاختيار الخاطئ لتخصصه العلمي إلى التسرب الجامعي. فبعد شهر واحد من دراسة الأدب العربي، «اكتشفت أنني لا أحبّ هذا المجال». أوقف الدراسة في انتظار التوجه إلى اختصاص آخر في العام الدراسي المقبل، على أن يعمل، إلى ذلك الحين، نادلاً في أحد المطاعم. لكنه، بعدما «أنِس» للمردود المالي، لم يعد راغباً بالعودة إلى مقاعد الدراسة، «لأن أي تخصص جامعي آخر مصيره البطالة أو العمل مقابل مردود ماليّ زهيد مع تدني قيمة الأجور».
في الغالب، لا يدرك الطلاب، بحسب اختصاصيين في التوجيه العلمي والمهني، ما هي الاختصاصات المتاحة أمامهم في مجالات محددة. فالمتخرّجون من المرحلة الثانوية غير مطّلعين على المواد التي سيدرسونها في الجامعة. وفي الأغلب ينبهرون بالسمعة المتداولة حول اختصاص ما (مصدرها أحاديث الأهل، الرفاق، الجيران، الإعلام ...)، قيُقدِمون عليه ليُفاجأوا، خلال العام الجامعي، بعدم قدرتهم على الاستمرار. والسبب يعود، بحسب الموجّهين، إمّا إلى عدم توافر المهارات الشخصية لدى الطالب نفسه لمتابعة الاختصاص، أو لوجود مصاريف جانبية لم يحسب الطالب وأهله لها حساباً. إذ أن العامل الاقتصادي أساسي في اختيار الاختصاص بالنسبة إلى الطلاب الذين يضطرون نتيجة الظروف المعيشية لمغادرته إلى اختصاص آخر، أو حتى مغادرة الجامعة نهائياً إلى سوق العمل.
مدير المركز الإسلامي للتوجيه والتعليم العالي، علي زلزلة، يلفت إلى أن سوق العمل في لبنان «كان ولا يزال ضيقاً. وصار مع جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية أضيق، فتراجعت الفرص والخيارات. وفي ظل الغياب التام للدولة وعدم إظهارها أي نيّة لدعم القطاعات الإنتاجية والمشاريع الاقتصادية، صار خيار الهجرة مطروحاً بقوّة». لذلك «يمكن تفهّم إحباط الطلاب المقبلين على المرحلة الجامعية أو الذين يرغبون في تغيير تخصصهم الجامعي ويعجزون عن تحديد تخصص بديل». إلّا أن زلزلة نوّه إلى أن السوق اللبناني «لم يغلق كل الأبواب في وجه المتخرجين، خصوصاً في قطاعات الصحة والتربية والمعلوماتية». ويمكن «تحويل الأزمة إلى فرصة للإبداع والابتكار من خلال التوجه إلى ريادة الأعمال، أي البحث عن فكرة رائدة تنتج عملاً مستقلاً قد يصلح للتنفيذ في لبنان أو في الخارج». كما أن هناك «ضرورة للتوجه نحو اختصاصات تفصيلية تفتح المجال أمام مهن متعدّدة»، و«إمكانية الاستفادة من فرصة التواصل عن بعد التي خلقتها جائحة كورونا للعمل لمصلحة الأسواق الخارجية من داخل لبنان، من دون الحاجة إلى الهجرة».

البطالة لا تطال كلّ المهن وصناعة الأدوية أحد الاختصاصات التي ستزدهر


الباحث التربوي والنفسي هشام شحرور لا يوافق على مقولة أن «البطالة في ظل الأزمة الاقتصادية تطال كل المهن»، مشيراً إلى أن ندرة الدراسات التي تحدد احتياجات سوق العمل وغياب التوعية المهنية، يؤديان إلى ضياع الطلاب واختلال التوازن في السوق المحلي، فيعاني بالتالي من تخمة في بعض الاختصاصات ونقص في أخرى. ولفت إلى أن «الدول المتقدمة تعدّ دراسات استشرافية للاختصاصات التي سيحتاجها سوق العمل في السنوات المقبلة. أما في لبنان، فتحل المبادرات الفردية والجماعية في توجيه الطلاب وخلق فرص عمل لهم مكان الدولة اللبنانية التي لا تخطط، ولا توجه الطلاب، ولا تفتح الاختصاصات التي تواكب التطور العلمي والتكنولوجي»، رغم أن ثمة جمعيات أهلية قطعت شوطاً في التوجيه التربوي والمهني، وباتت تمتلك طرقاً خاصة في كشف ميول الطلاب وقدراتهم العلمية وشخصيتهم المهنية.
شحرور شدّد على ضرورة مواكبة المسار التعليمي داخل فروع الاختصاصات. «ففي اختصاص الطب أظهرت جائحة كورونا وجود نقص في عدد أطباء الأمراض الجرثومية فيما حقل طب الأطفال، مثلاً، يغصّ بالمتخرجين».
وكما تأثرت بعض المهن بالأزمة الاقتصادية ازدادت الحاجة إلى مهن أخرى في «السوق اللبناني الجديد»، كما يسميه الأستاذ في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية مازن كردي. إحدى المهن التي «ستزدهر»، كما قال، هي صناعة الأدوية، بسبب «التوجه إلى رفع الدعم عن الدواء أو بالحد الأدنى ترشيده قريباً والذي سيشمل دعم الدواء الجنيس (generic) المصنّع محلياً، إضافة إلى دعم الصناعة الوطنية ليشمل إنتاجها عدداً أكبر من الأدوية المحليّة، وخصوصاً أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية». لذلك يشجع كردي الطلاب الذين درسوا الكيمياء وعلوم الحياة على التخصص في صناعة الأدوية في السنة الثانية من مرحلة الماجستير، كذلك الأمر بالنسبة لمن درس الصيدلة، إذ يمكنه دراسة هذا التخصص من خلال سنة إضافية.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا