في انتظار مهرجان “الموسيقى المرتجلة الحرة في لبنان” الذي تنظمه سنوياً جمعية “Mill” (الموسيقى المرتجلة الحرة في لبنان)، تقدم مجموعة من الموسيقيين اللبنانيين حفلتين اليوم وغداً في «مسرح مونو» البيروتي بعنوان “الرجل الذي اخترق جدار الصمت”. أسماء الموسيقيين باتت معروفة ومتوقعة (عكس موسيقاهم): رائد ياسين، مازن كرباج، شريف صحناوي، إضافة إلى شربل الهبر. إنّهم رواد الموسيقى المرتجلة الحرة في العالم العربي. ويثبت هذا الأمر أنّ الرهان ما زال قائماً على هذا النوع الموسيقي في لبنان، وأن بالإمكان توسيع جمهوره.

يسعى القيمون على هذا المشروع/ المغامرة إلى تحصين دعائم مشروعهم، عبر حفلات كثيرة ينظمونها في لبنان على مدار السنة، وعن طريق جولات عالمية يتفاعلون خلالها مع تجارب موسيقية في مدن أوروبية وأميركية مختلفة. هكذا، يستفيدون من خبرات من سبقهم إلى تبنّي هذا النوع الموسيقي من روّاد كبار مخضرمين، خارج المنطقة العربيّة. ويؤكّد أصدقاؤنا أن تلك التجارب تلقى ترحيباً واحتراماً من الجمهور الغربي الذي سبق الجمهور اللبناني في تلقفها وفهمها، بحكم انطلاقها من واقع ثقافي واجتماعي غربي، قبل سنوات من وصولها إلينا. وإضافة إلى الحفلات، هناك الشق التوثيقي لهذه الموسيقى الذي تتولاه «شركة “المسلخ للإنتاج» التي أسّسها مازن كرباج (أصدرت حتى اليوم خمس أسطوانات).
ويعزف الليلة الموسيقيون الأربعة مقطوعات مرتجلة، في ظهور منفرد (سولو) يبرز تعامل كل منهم مع آلته، وأغراضه، بعيداً عن التفاعل مع الآخرين. يستهل الحفلة شربل الهبر (غيتار كهربائي وإلكترونيات) الذي يواصل نشاطه في هذا المجال بالتوازي مع مشروعه الأساسي في مجال موسيقى الروك البديل في فرقة “Scrambled eggs”. ويليه مازن كرباج في عزف على آلة الترومبيت التي فقدت هويتها وصوتها الأصلي مذ شرع في تقبيلها ومداعبتها بسادية مفرطة، قد يكون مصدرها شهرته (كرباج!). ثم يقدم عازف الغيتار شريف صحناوي وصلته، ولعلّه أحد أبرز وجوه هذه الموسيقى في فرنسا ولبنان. ويختتم الحفلة عازف الكونترباص رائد ياسين في صراع مع آلته الضخمة، طاعناً إياها تارةً، ومشوّشاً طوراً على صوتها من خلال البثّ على موجة إذاعته الخاصة (استعمال الراديو المسجّل)، فضلاً عن التعديل الجوهري الذي أجراه على الآلة نفسها، من خلال استبدال أوتارها المتفاوتة القطر، بأربعة أوتار غليظة فقط.
أما غداً، فسيكون موعد الجمهور مع حفلة أخرى، مختلفة، في مجال الموسيقى المرتجلة الحرّة. إذ يلتقي كرباج وياسين وصحناوي مجدداً في تركيبة ثلاثية قديمة، تأسّست عام 2002 باسم “Trio A”. العزف الحيّ سيكون جديد حفلة الثلاثي الذي تعرّفنا إليه في تسجيل استوديو صدر ضمن اسطوانة تحمل قيمة معنوية كبيرة، إذ كانت أول توثيق لهذا النوع من الموسيقى في لبنان وفي العالم العربي. وجاءت «أسطوانة Trio A» ذات الغلاف الشهير الذي رسمه مازن كرباج، بناء على اقتراح رائد ياسين الذي شجّع زملاءه على خوض هذه المغامرة، وكانت احتضنتها مكتبة “La CD-Thèque”، وتولت إنتاجها وتوزيعها في لبنان. لكن الأسطوانة سافرت أكثر من مرة في حقائب الموسيقيين خلال جولاتهم العالمية، وانتشرت في العالم لتؤكد برمزيتها الولادة الجدية لهذا التيار الموسيقي في لبنان.
إذاً، نحن على موعد مع رواد الموسيقى المرتجلة الحرة في لبنان، سنراهم بأم العين، وليس بالضرورة أن تعشق الأذن قبل العين أحياناً!
بشير...

“الرجل الذي اخترق جدار الصمت” حفلتان “مسرح مونو” ــ 11 و12 كانون الثاني (يناير)