علي الناصر الشاعر القتيل يخرج من النسيان أخيراً

انتبه سامي الكيالي إلى خصوصية هذه التجربة بقـــــــــوله “ربما كان في طلـــــــــــيعة الشعراء المحدثين الذين ثاروا على الـــــــــــوزن والقافية ودعوا إلى تحرير الشعر من هذه القيود وإلى إرسال الكلام إرسالاً”. فيما يستغرب عبد السلام العجيلي في تقديمه لديوان عـــــــــــلي الناصر “اثنان في واحد” (1968) تجاهل ريــــــــــــــادة هذا الشاعر للحداثة العربية وكيف ذهبت إلى آخرين، من دون وجه حق، كتبوا بعده بعقود.
ولعل الانعطافة الحقيقية في شعره، جاءت مع إصداره “البلدة المسحورة” (1935)، و“موانا” (1935) و“سريال” (1947). ففي هذه التجارب اقتحم الشاعر مناطق بكراً في حساسية جديدة ومتمردة ونقلة في تطور قصيدة النثر، من الحقبة الجبرانية الرومانسية إلى الأفق الملحمي.
في كتاب “علي الناصر: الأعمال الكاملة” (وزارة الثقافة ــ دمشق) الذي قام بتحريره رضوان القضماني، فرصةٌ لاستعادة تجربة مجهولة لشاعر أهمله النقد طويلاً على رغم ريادته الشعرية التي سبقت ريادة نازك الملائكة والسيّاب. وهو ما يشير إليه أمين الريحاني في مقدمة لديوان “ظمأ”: “إنّ في كتابك هذا عبقرية مبدعة لكنها لا تزال تتعثّر في مدارج الفن”. وفي ديوانه “سريال” الذي كتبه بالاشتراك مع أورخان ميسر محاولة مبكرة لمقارعة الشعر السريالي وتأصيله عربياً بعيداً من تجارب السرياليين الأوروبيين. يقول علي الناصر في أحد مقاطع قصيدته “قدمي تمشي، تمشي لا أثر لها، تنتعل اللهب، تسرع وتسرع، لا سبيل للإبطاء. سراب في متناول اليد أبعد من البعيد، قدم تسرع ملتهبة، ذرة من رماد”.
في قصائد علي الناصر ترتعش الكلمات وتتلامح تجربة حياة قلقة ومتفرّدة تنهض على مرتكزات عبثية بقصد تأكيد ذاته وهويته الشخصية وصخبه الحسي، قبل أن تُطوى هذه التجربة بموت مأساوي غامض، ما قاد إلى ضياع بعض قصائده وبينها ديوان “الأغوار” الذي ظل مصيره مجهولاً إلى اليوم.
خليل...