جرّاحون «يتحكمون عن بعد» في كليمنصو
تخيّل «روبوتاً» يجري لك عملية جراحية. تخيّل أنك ستبقى بين «أياديه» 3 ساعات وربما أكثر، ينكش خلالها أحشاءك. يفرغها. يخيط جرحك.. وأنت نائم. هي مجرد مخيلة، لكنها كادت «تطيح» مريضاً كان يستعدّ لإجراء عملية جراحية بحضور «الروبوت». حدث ذلك في مركز كليمنصو الطبي، عندما «وصل» الروبوت «دافنتشي» (نظام دافنتشي الجراحي الذي تصنعه «إنتويتيف سورجيكال») للاستعانة به في العمليات الجراحية «المنظارية». يومها، رفض المريض، مفضلاً «التعاطي مع بشري». وعلى غراره، كانت ردّة فعل مرضى آخرين، أثار فيهم دافنتشي الهلع. فمن يجرؤ على تسليم «روحه» لرجل آلي؟
لكن، من هو «دافنتشي»؟ أو بتعبير أدق، ما هي هذه «التقنية الجديدة» في جراحة المنظار التي استقدمها مركز كليمنصو الطبي؟
قبل شهر ونصف الشهر، أجرى مركز كليمنصو أول عملية جراحية «بواسطة» الروبوت. لم يكن الخبر عادياً.. حتى في المركز نفسه. ففي الموعد المحدّد لتلك العملية، «انحشر» أكثر من 25 طبيباً يراقبون حركات دافنتشي. الحدث الاستثنائي الذي يحصل للمرة الأولى في المراكز الاستشفائية في لبنان، كان له وقع مماثل على المرضى ومن سمعوا به، الذين دهشوا بالفكرة، وخافوا منها في الوقت نفسه.
هذا الخوف دفع بإدارة المركز، قبل بضعة أيام، إلى نقل الروبوت من غرفة العمليات إلى مدخل الاستقبال هناك، حتى يتسنى للزائرين أن يتعرفوا إليه.
أما التعليق الأول على هذا «الحضور العلني»، فهو أن المدعو دافنتشي «ليس من يجري العمليات الجراحية»، يوضح الدكتور كلود طيار، «عرّاب» برنامج الجراحة بالروبوت. يعرف طيار، أن ردّ فعل الناس «طبيعي»، كونه اصطلح على تسمية هذه التقنية بالروبوت، وهنا حصل اللغط. فبالتعريف العلمي للتقنية، هي «تيليمانيبوليتر» (telemanipulator) أي «التحكم عن بعد». هكذا، يصبح الخوف مجرد وهم لا أكثر «يكون هذا الجهاز تابعاً كلياً للجراح، وتنحصر وظيفته في تنفيذ حركات هذا الأخير»، يقول طيار.
لا هو رجل آلي، ولا هو «ترف» جراحي في المركز، إنما هو «عدّة متطورة في جراحة المنظار، وهي مقسمة إلى قسمين: أول مكوّن من الأيادي الأربع التي تنفذ حركات الجراح، وثان هو المقعد المخصص للجراح الأساسي الذي يعطي الأوامر على الشاشة الموصولة إلى الكاميرتين المثبتتين في يدي الروبوت». وإلى جانب هذا الفريق، ثمة طبيب ثان إلى جانب الروبوت لـ«تبديل» يديه وفق المهام التي يقوم بها أو «لمساعدته، عندما تكون الحاجة ليدٍ خامسة»، يتابع طيار.
وما يمكن أن يفعله دافنتشي هو «الدخول إلى جسد المريض من دون أن يحدث جرحاً كبيراً، فقد يكتفي بجرح مقاسه بين 5 و12 ميليمتراً». أما «النعم» الأخرى لهذا النظام فهو «أن يديه تستطيعان التحرك بمرونة، في جميع الاتجاهات وليس كيد الطبيب الكبيرة على بعض الأماكن والمحدودة الحركة، كما أنه مزود بكاميرتين، مع رؤية ثلاثية الأبعاد لمكان العملية والعضو المصاب..». ثمة ما يفعله دافنتشي أكثر، وهو «أنه أشد أماناً، فلا رجفة ولا آثار جانبية ولا حتى مضاعفات ما بعد العملية، كما أن فارق العملية عن طريقه بسيط جداً يبلغ في حده الأقصى 2500 دولار أميركي، هي كلفة المعدات المستهلكة خلال العملية». ثمة «إضافات» إلى تلك الوظائف، إذ يستطيع إجراء عمليات بنجاح أكبر من المنظار العادي «وخصوصاً جراحة سرطان البروستات، إذ تبلغ نسبة التعافي منه بنسبة 95%، من دون مضاعفات قد تحرم المريض من حياته الجنسية أو تجعل التبوّل اللاإرادي حدثاً مصاحباً له»، يقول جراح المسالك البولية والأعضاء التناسلية الدكتور نديم أيوب. والأهم من ذلك كله، هو المحافظة على «نمط الحياة الطبيعية»، فقبل دافنتشي كان «التعافي من العملية طويلاً، كما أنه يترك آثار جروح كبيرة قد لا تزول»، يختم الدكتور كريم نوفل، المتخصص بالجراحة النسائية، وأحد «عرابي» دافنتشي.