بقايا الحراك: قمع أمني في "سوليدير" وانتفاضة شابين في خيمة
لم يفارق أحمد أمهز وحسن قطيش الخيمة التي نصباها في ساحة الشهداء منذ 45 يوماً إلا ساعة واحدة كل يومين. لا إضراب عن الطعام هذه المرة بعد أن خاض الشابان هذه التجربة سابقاً. نصبا الخيمة ليقولا إن الحراك لم ينتهِ وإن المجموعات والحملات الناشئة ليست هي التي تقرر متى تحرّك الناس، وأطلقا على حركتهما اسم "انتفاضة حق". الشابان كانا ناشطين في حملتين: أحمد في "بدنا نحاسب"، وحسن في "طلعت ريحتكم"، واعتقلا أكثر من مرة خلال التظاهرات، لكنهما قررا الخروج من هذين الإطارين بعد أن تراجع الزخم. للشابين مأخذ على الحملات: تكثيف النزول إلى الشارع لم يكن سليماً، "لو بقينا ليلتين متتاليتين في الشارع لكنا أنجزنا شيئاً". أحمد، الملقب بـ "توغو"، يبلغ من العمر 23 عاماً، كان لديه سنترال في حي السلم وقام بتأجير العدة لأشخاص بعدما وجد أن عمله لا يمكّنه من التفرّغ كلياً للحراك. اختار أحمد الحراك وأهمل عمله، برأيه "كل ما يتعلق بالتغيير نحو الأفضل يجب أن يكون أولوية". لا يعتبر أحمد أن المجموعات ظلمته وحسن، "فهي بقيت حيادية تجاه تجربتهما، وحدها الدولة هي الظالمة". منذ أيام أعلن الشابان، إضافة إلى نحو 30 شاباً، بياناً حددوا فيه مطالبهم: حل أزمة النفايات، انتخاب رئيس، إيقاف المحاصصة في الكهرباء، حل مشكلة البطالة، تعزيز البنى التحتية، دعم السلع الأساسية وغيرها من المطالب. لا يحبّذ هؤلاء الشبان "ثورات الويك أند"، وفق ما يقول عيسى الآتي من الخندق الغميق. شارك عيسى، ابن الـ 21 عاماً، في مختلف التحركات وواجه القوى الأمنية، وبرأيه إن هذه الخيمة هي ما بقي من الحراك.
أحد تداعيات الحراك أنه أظهر وجه الدولة الميليشيوية، فنهار الخميس الفائت تابعت السلطة عبر الأجهزة الأمنية، حملات القمع التي انتهجتها. منشور واحد لسامر مازح، أحد الناشطين الأساسيين في الحراك، كان كفيلاً بتأهّب فرع المعلومات وإجبار الشركة التي يعمل فيها في مول "أسواق بيروت" على نقله من عمله قسراً بعد ضغوط مارستها سوليدير على الشركة التي يعمل لديها. بدأت القضية عندما نشر مازح عند الساعة الرابعة صورةً من "أسواق بيروت" وكتب: "الساعة ٥ ونص ٦ جايي وزير السياحة زيارة عأسواق بيروت ع cozmo city وعم يفرشولو السجاد إذا حدا بحب يجي يرحب فيه وهيك". لم تمر ساعة حتى كان عناصر فرع المعلومات أمام مكان عمل مازح وأخبروه أنه "خرب الدني". فعلياً لم يحصل أي تحرّك بسبب هذا المنشور. لم يناقش العناصر الأمر مع مازح، توجهوا فوراً إلى إدارة "سوليدير" واجتمعوا معها. خرجوا من الاجتماع وأبلغوا سامر أن إدارة "سوليدير" تجتمع الآن وستبلغه قرار منعه من العمل في المنطقة الخاضعة لها وستبلغ الشركة التي يعمل فيها بالأمر. أُبلغت الشركة بالقرار فاتخذت قراراً فورياً بنقله إلى فرع آخر. يعدّ ما حصل انتهاكاً فاضحاً للقانون من قبل جهاز أمني لا صلاحية له باتخاذ قرارات كهذا. يعلّق المحامي نزار صاغية على الحادثة بأنّ "فرع المعلومات لا يحق له أن يطلب نقل أو طرد شخص ما من عمله، إذ إن هذا الأمر خارج اختصاصه". يضيف: "من الواضح أن هناك وسائل جديدة تستخدمها السلطة للقمع عبر الاتصال بأصحاب العمل والتأثير في العامل من قبل القوى الأمنية من دون الرجوع إلى القضاء الذي يعد المرجع الوحيد لاتخاذ قرار كهذا. كذلك يُمنَع مواطن لبناني من العمل بمساحة جغرافية معينة من دون أي حكم". يرى صاغية أن هذه الحادثة هي "ضرب لصلاحيات القضاء، والمشكلة هي أن الشركات الكبرى تتجاوب مع الأمر وتتحول إلى متواطئة مع النظام. كذلك تستغل سوليدير أنها تملك العقارات وتضغط على الشركة لمنع الشاب من العمل في نطاقها". تجسّد هذه الحادثة إذاً انتهاكين فاضحين للقانون: أولاً استيلاء جهاز أمني على صلاحيات القضاء، وثانياً تواطؤ القطاع الخاص في تطبيق سياسات القمع.