أنا الجنّة تحت قدميّ... لست جثّة تحت قـدميه
أنا منال، ابنة الـ33 عاماً تعرّضت للتعذيب من زوجي ــ الذي يُفترض أنّه يُحبّني ــ وقُتلتُ بطنجرة ضغط.
أنا فاطمة، الحامل في شهري السابع، ذبحني زوجي وقتل جنيني.
أنا رولا، ضربني زوجي حتّى الموت أمام بناتي.
أنا الكثير غيرهنّ... أنا زينب وأنا تيريزا قتلتني الاديان والطوائف كلّها. أنا 8 آذار وأنا 14 آذار قتلتني السلطة والمعارضة. أنا من قتلها مجتمعٌ ظالم وعذّبها سفّاحٌ سافل. أنا نصف مجتمعٍ موبوء يُفرغ عقده عليّ. أنا من وضعوا شرفهم بين فخذَي وجعلوه مبرراً لقتلي. أنا «الأنا» التي حرّرتها، شاء من شاء وأبى من أبى، سأدافع عن حقي بشراسة هذا المجتمع القاتل نفسها، وسأنتصر.
هذه الكلمات ردّدها كل من جلس على أدراج المتحف الوطني أول من أمس، ورفع لافتة تدين العنف ضد المرأة، وصرخ «باطل» للاغتصاب الزوجي والزواج المبكر والمجلس النيابي الذي لا يشرّع والطب غير الشرعي... هؤلاء أتوا من مختلف المناطق والأديان ليقولوا «لا للعنف ضد المرأة»، ليس لأنّه عنفٌ لا أخلاقي، بل لأنه عنفٌ يقهر المجتمع ويمنع تحرره بالدرجة الأولى.
رجالٌ ونساء حضروا مع أولادهم وعائلاتهم ليطالبوا بوقف القتل الممنهج والمتزايد. يريدون قانوناً يدين العنف الأسري بوصفه عنفاً لا يقف عند باب «المنزل الزوجي»، بل هو عنفٌ يؤسّس للعنف. فمن يضرب زوجته أمام أولاده يخلق جيلاً متعايشاً مع العنف وممارساً له في حياته العامّة والخاصّة، أي جيلاً مجرماً.
شبان وشابات في مرحلة المراهقة وقفوا في مجموعات صغيرة. تكلّموا عن رولا وكريستال وبغداد وآمنة وصونيا... كأنهم يعرفونهنّ جيّداً، تبادلوا قصصهنّ وغضبوا. اعتبروهم قضيتهم المحقّة. خجلوا لأنهم تحرّكوا متأخرين بعد وفاتهنّ. في الجهة الأخرى مجموعات من كبار السن تسير وتناقش القانون المقترح وأبعاد القضية وانعكاساتها. من مكانٍ ما يُسمع صوت قرع طبول تزيد من حماسة الموجودين وتُعلي أصواتهم وصرخاتهم. وسط هذه الخلطة «الحقيقية» تظهر من بين الحشود امرأة متّشحة بالسواد، متقوّسة الظهر أكل الشيب شعرها. عرفها الجميع كأنّها أمّهم، منحنية أثقلتها الدنيا بهمومٍ جمّة. أم رولا يعقوب حضرت بمأساتها الكاملة. رأت صور رولا وأخريات تملأ المكان، تسابقت وسائل الإعلام في نهش كلامٍ من بحر أحزانها. بلَوعةٍ وحزنٍ لن تنجح أيّ كلماتٍ في وصفهما انهالت الدعوات بالعذاب نفسه على قاتل ابنتها. هي لم تصحو بعد من صدمتها «بنتي ماتت قد ما ضربا وقدّام بناتا». تعب صوتها وجسدها فجلست على درج المتحف وبكت. هتف من حولها: «يا نائب يا أصم... رح بتهزّك صرخة إم».
أمّا القتلة فأصبحوا معروفين. هتف الجميع بأسمائهم واحداً واحداً، قاتلاً قاتلاً. إذا لم يحاسبهم القانون فلنحاسبهم نحن. هؤلاء مجرمون حتى لو أخلى سبيلهم قضاء أعمى. لكن ماذا عن نساء البرلمان؟ سألت إحداهنّ. أليس من المفروض أن يأتين أوّل الناس؟ لماذا يعتكفن في قضية كهذه تمسّهم في الصميم؟ أسئلةٌ غير بريئة طرحتها إحدى النساء. «إنتو النسوان ما بتعرفوا تتضامنوا مع بعض، المرا أوّل عدو للمرا، روحوا جيبوهن من بيوتن وبالعنف كمان»، أتاها جوابٌ من رجل ثلاثيني عابر. كلّا، المشكلة تكمن في النظام. النظام ببنيته مقاوم للتغيير، محافظ حتى القهر. على الرغم من أنّ صيغة قانون حماية «الأسرة» وليس «المرأة» من العنف الموجودة حالياً وصلت إلى القعر، تم تفريغها من مضمونها ومع ذلك تم تعطيل فرص إقرارها.
كل مظاهرة من هذا النوع هي مسمارٌ في نعش هذا النظام. وعلى السياسيين أن يتحركوا فوراً لإقرار قانون عادل لحماية المرأة من العنف... إقرار القانون واجبٌ يصبّ في مصلحة بناء مجتمع سليم قبل كل شيء، فالقوانين تتطوّر مع تطوّر المجتمعات وتُعتبر من أسس تحرّرها وتقدّمها. على النواب أن يروا الدموع الحارقة لأم منال العاصي التي قُتلت أمام عينيها، وقتلتنا جميعاً. عليهم أن يتعلّموا الأسى والحزن من أم رولا يعقوب الغارقة في مأساتها. هل رأيتموها يا نوّاب أمتنا الكريمة؟ جرائدكم وإذاعاتكم وتلفزيوناتكم صوّرتها. هذه الأم التي أبكت جميع من كان في المظاهرة. أبكتنا خجلاً من مجتمع ساقط يجرفنا في سيئاته يوميّاً من دون أن نغيّره. على القضاة أن يشعروا بحرقة قلب أمٍّ على ابنةٍ رأت فيها أحلامها وآمالها وكل تطلعاتها،لكنّ وحشاً كاسراً أرداها قتيلةً من دون أن يشعر بندم أو ذنب. على الأطباء الشرعيّين أن يحسّوا بصرخة أبٍ أفنى حياته لتكبر «صغيرته» الجميلة وتصبح أمّاً وناشطة وعاملة، رآها جنّةً مجسّدة على الأرض قبل أن يراها جثّةً مشوّهة. رأى الجنّة تحت قدميها لا جثّةً تحت قدميه! أيّها الجميع، إن لم تشعروا بحجم هذه المأساة، إن لم تدركوا ما تعانيه هؤلاء النسوة يوميّاً من عذابات، إن لم تعلموا أنّ «ضرب الحبيب مش زبيب»، تكونوا كلّكم مشاركين في الجريمة. هؤلاء ذهبن ضحيّة مجتمعٍ همس بالسر بمحنتهنّ ووقف نائياً بنفسه بعيداً عن «خلافات زوجية خاصة». عارٌ عليكم سكوتكم، عارٌ علينا موتهنّ، عارٌ على الإنسانيّة مواصلة الجريمة.
في عيدها وفي مأساتها، شرّعوا القانون أو ارحلوا.
أنا فاطمة، الحامل في شهري السابع، ذبحني زوجي وقتل جنيني.
أنا رولا، ضربني زوجي حتّى الموت أمام بناتي.
أنا الكثير غيرهنّ... أنا زينب وأنا تيريزا قتلتني الاديان والطوائف كلّها. أنا 8 آذار وأنا 14 آذار قتلتني السلطة والمعارضة. أنا من قتلها مجتمعٌ ظالم وعذّبها سفّاحٌ سافل. أنا نصف مجتمعٍ موبوء يُفرغ عقده عليّ. أنا من وضعوا شرفهم بين فخذَي وجعلوه مبرراً لقتلي. أنا «الأنا» التي حرّرتها، شاء من شاء وأبى من أبى، سأدافع عن حقي بشراسة هذا المجتمع القاتل نفسها، وسأنتصر.
هذه الكلمات ردّدها كل من جلس على أدراج المتحف الوطني أول من أمس، ورفع لافتة تدين العنف ضد المرأة، وصرخ «باطل» للاغتصاب الزوجي والزواج المبكر والمجلس النيابي الذي لا يشرّع والطب غير الشرعي... هؤلاء أتوا من مختلف المناطق والأديان ليقولوا «لا للعنف ضد المرأة»، ليس لأنّه عنفٌ لا أخلاقي، بل لأنه عنفٌ يقهر المجتمع ويمنع تحرره بالدرجة الأولى.
رجالٌ ونساء حضروا مع أولادهم وعائلاتهم ليطالبوا بوقف القتل الممنهج والمتزايد. يريدون قانوناً يدين العنف الأسري بوصفه عنفاً لا يقف عند باب «المنزل الزوجي»، بل هو عنفٌ يؤسّس للعنف. فمن يضرب زوجته أمام أولاده يخلق جيلاً متعايشاً مع العنف وممارساً له في حياته العامّة والخاصّة، أي جيلاً مجرماً.
شبان وشابات في مرحلة المراهقة وقفوا في مجموعات صغيرة. تكلّموا عن رولا وكريستال وبغداد وآمنة وصونيا... كأنهم يعرفونهنّ جيّداً، تبادلوا قصصهنّ وغضبوا. اعتبروهم قضيتهم المحقّة. خجلوا لأنهم تحرّكوا متأخرين بعد وفاتهنّ. في الجهة الأخرى مجموعات من كبار السن تسير وتناقش القانون المقترح وأبعاد القضية وانعكاساتها. من مكانٍ ما يُسمع صوت قرع طبول تزيد من حماسة الموجودين وتُعلي أصواتهم وصرخاتهم. وسط هذه الخلطة «الحقيقية» تظهر من بين الحشود امرأة متّشحة بالسواد، متقوّسة الظهر أكل الشيب شعرها. عرفها الجميع كأنّها أمّهم، منحنية أثقلتها الدنيا بهمومٍ جمّة. أم رولا يعقوب حضرت بمأساتها الكاملة. رأت صور رولا وأخريات تملأ المكان، تسابقت وسائل الإعلام في نهش كلامٍ من بحر أحزانها. بلَوعةٍ وحزنٍ لن تنجح أيّ كلماتٍ في وصفهما انهالت الدعوات بالعذاب نفسه على قاتل ابنتها. هي لم تصحو بعد من صدمتها «بنتي ماتت قد ما ضربا وقدّام بناتا». تعب صوتها وجسدها فجلست على درج المتحف وبكت. هتف من حولها: «يا نائب يا أصم... رح بتهزّك صرخة إم».
أمّا القتلة فأصبحوا معروفين. هتف الجميع بأسمائهم واحداً واحداً، قاتلاً قاتلاً. إذا لم يحاسبهم القانون فلنحاسبهم نحن. هؤلاء مجرمون حتى لو أخلى سبيلهم قضاء أعمى. لكن ماذا عن نساء البرلمان؟ سألت إحداهنّ. أليس من المفروض أن يأتين أوّل الناس؟ لماذا يعتكفن في قضية كهذه تمسّهم في الصميم؟ أسئلةٌ غير بريئة طرحتها إحدى النساء. «إنتو النسوان ما بتعرفوا تتضامنوا مع بعض، المرا أوّل عدو للمرا، روحوا جيبوهن من بيوتن وبالعنف كمان»، أتاها جوابٌ من رجل ثلاثيني عابر. كلّا، المشكلة تكمن في النظام. النظام ببنيته مقاوم للتغيير، محافظ حتى القهر. على الرغم من أنّ صيغة قانون حماية «الأسرة» وليس «المرأة» من العنف الموجودة حالياً وصلت إلى القعر، تم تفريغها من مضمونها ومع ذلك تم تعطيل فرص إقرارها.
كل مظاهرة من هذا النوع هي مسمارٌ في نعش هذا النظام. وعلى السياسيين أن يتحركوا فوراً لإقرار قانون عادل لحماية المرأة من العنف... إقرار القانون واجبٌ يصبّ في مصلحة بناء مجتمع سليم قبل كل شيء، فالقوانين تتطوّر مع تطوّر المجتمعات وتُعتبر من أسس تحرّرها وتقدّمها. على النواب أن يروا الدموع الحارقة لأم منال العاصي التي قُتلت أمام عينيها، وقتلتنا جميعاً. عليهم أن يتعلّموا الأسى والحزن من أم رولا يعقوب الغارقة في مأساتها. هل رأيتموها يا نوّاب أمتنا الكريمة؟ جرائدكم وإذاعاتكم وتلفزيوناتكم صوّرتها. هذه الأم التي أبكت جميع من كان في المظاهرة. أبكتنا خجلاً من مجتمع ساقط يجرفنا في سيئاته يوميّاً من دون أن نغيّره. على القضاة أن يشعروا بحرقة قلب أمٍّ على ابنةٍ رأت فيها أحلامها وآمالها وكل تطلعاتها،لكنّ وحشاً كاسراً أرداها قتيلةً من دون أن يشعر بندم أو ذنب. على الأطباء الشرعيّين أن يحسّوا بصرخة أبٍ أفنى حياته لتكبر «صغيرته» الجميلة وتصبح أمّاً وناشطة وعاملة، رآها جنّةً مجسّدة على الأرض قبل أن يراها جثّةً مشوّهة. رأى الجنّة تحت قدميها لا جثّةً تحت قدميه! أيّها الجميع، إن لم تشعروا بحجم هذه المأساة، إن لم تدركوا ما تعانيه هؤلاء النسوة يوميّاً من عذابات، إن لم تعلموا أنّ «ضرب الحبيب مش زبيب»، تكونوا كلّكم مشاركين في الجريمة. هؤلاء ذهبن ضحيّة مجتمعٍ همس بالسر بمحنتهنّ ووقف نائياً بنفسه بعيداً عن «خلافات زوجية خاصة». عارٌ عليكم سكوتكم، عارٌ علينا موتهنّ، عارٌ على الإنسانيّة مواصلة الجريمة.
في عيدها وفي مأساتها، شرّعوا القانون أو ارحلوا.