«بشّر» وزير البيئة فادي جريصاتي اللبنانيين، في بيان أمس، بأن القدرة الاستيعابية لمطمر برج حمود - الجديدة ستنتهي في آب المقبل، وليس في تموز! فيما أكّد اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية أن القدرة الاستيعابية لمطمر كوستابرافا ستنتهي بعد سنة ونصف سنة (وليس عام 2022 كما أبلغ مجلس الانماء والاعمار مجلس الوزراء!). اما الروائح التي ستزداد مع ارتفاع درجات الحرارة، كما هو معتاد صيفاً، فقد جرت الاستعانة بـ«ساحر» دولي للتخلص منها، و«تعطير» كل المواقع التي تشكّل مصدراً للروائح، من مطامر على الشاطئ ومصبات مياه الصرف الى معامل تخمير النفايات... حيث يُجمع و«يُعالج» ويُطمر أكثر من 3000 طن يومياً من النفايات (أكثر من نصف نفايات لبنان الصلبة) بالاضافة الى كل نفايات الصرف السائلة.

عليه، يمكن اللبنانيين والسياح والمصطافين أن «يطمئنوا» هذا الصيف لأن الوضع «ممسوك» (!)... ولكن، ليس تماماً. ففي المعلومات أن بلديتي برج حمود والجديدة أبلغتا من يعنيهم الأمر، في الساعات الـ24 الماضية، بأنهما لن تنتظرا حتى اللحظات الأخيرة لانتهاء القدرة الاستيعابية للمطمر، وأنهما ستقطعان الطريق اليه قبل ذلك لحجز ما تبقّى من مساحات لنفاياتهما، طالما أن لا قرار حكومياً حول خطة جديدة او بديلة. ولا نعرف ما اذا كان وزير البيئة قد تبلّغ هذه الرسالة بعد.
الاستعانة بـ«خبير دولي» وبدراسته الشكلية، ومواده غير المعروف أثرها لتخفيف الروائح بدل معالجة طرق تولّدها من المصدر، وانتظار انتهاء القدرة الاستيعابية للمطامر حتى اللحظات الاخيرة، قبل التحرك لايجاد حلول وبدائل طارئة كما في كل مرة... ليس أمراً بريئاً.
المتابعون يدركون جيداً أن الحل المطروح من مجلس الانماء والاعمار، اي توسيع مطمر برج حمود - والجديدة وردم البحر ونقل مرفأ الصيادين ونقل أنابيب النفط... يتطلب ما لا يقل عن سنة ونصف سنة، وان إنشاء أول خلية طمر يتطلب ما لا يقل عن اربعة اشهر، هذا في حال افترضنا وجود توافق سياسي تام! المتابعون يعرفون، أيضاً، أن القدرة الاستيعابية للمطمر انتهت فعلاً، وان ما يحصل الآن هو عمليات حدل وكبس و«دحوشة» النفايات في ما تبقّى من فراغات قليلة. وان لا حل في الافق - في انتظار اعادة ردم البحر والتوسيع - الا انشاء «باركينغ»، كما في المرات السابقة. وهي العملية المعهودة التي تعني كلفة اضافية ورائحة اضافية!
فخطط الطوارئ، كما بات معلوماً، تؤمن أرباحاً ضخمة، إضافية وفورية، للمخططين والمتعهدين، لا يمكن تأمينها في الحالات النظامية، كما هي الحال في فوضى ملف المقالع والكسارات. ولهذا تأخرت الاستراتيجيات طويلاً، بعد ربع قرن على إنشاء وزارة البيئة. فالمدير العام الدائم للوزارة لم يهتم يوماً إلا باقتراحات تزيد من صلاحيات المديرية العامة، فكانت النتيجة هذا الضعف البنيوي - والمقصود ربما - في دور الوزارة، والنتائج الكارثية في ادارة ملفاتها الحيوية والحياتية.
لا نظن أن التمديد لخطط الطوارئ وتضييع أكثر من ثلاث سنوات (بعد أزمة 2015 ووضع خطة طوارئ عام 2016) وعدم إيجاد البديل المستدام وعقد صفقات جديدة، ستمر كلها هذه المرة من دون تحرك اعتراضي أوسع مما شهدناه اثر ازمة 2015! ولا نظن أن المعترضين سينتظرون لكي تفوح رائحة النفايات مع رائحة الصفقات قبل أن يتحركوا. ولا نعتقد، ايضاً وأيضاً، أن المعترضين المهتمين من المجتمع المدني سيكررون التجربة الماضية في عدم انتظامهم وضياعهم في تقديم البدائل العشوائية على طريقة عمل الادارات الرسمية.
المطلوب، الآن، فتح التحقيقات وتحديد المسؤوليات والمضي في عملية محاسبة جدية حول كل ما حصل… والضغط على السلطة للقيام بواجباتها، وتحديد استراتيجيات ومبادئ يفترض ترجمتها في قوانين وخطط متكاملة ومستدامة. فلن يكون مقبولاً، بعد هذه الأزمات والخسائر والكوارث، ألا يكون بين المطروح للحل تطبيق المبدأ الاستراتيجي الأول بالتخفيف من النفايات عبر فرض ضرائب على المصنعين والتجار من اكياس النايلون الى اغلفة السلع على أنواعها. ولن يكون مقبولا من وزارة البيئة، بعد ربع قرن، ألا تكون قد درست أنواع النفايات في لبنان وصنفّتها وعرفت كل تفاصيلها ودورة حياتها من المنبع الى المصب ومن «الصرة الى الحفرة»… وأعدت العدة الفنية والقانونية للتخفيف منها، بعد درس البدائل الاكثر أمناً.
وفيما لا يزال البعض في وزارة البيئة يعتقد بأن المشكلة عند البلديات والشعب، وهم يعدون العدة لارسال «الجيش البيئي» غدا صباحا لإقناع الناس بالفرز... فإن ذلك يذكّر بقصة ذاك الديكتاتور الذي سأل زوجته وهو على فراش الموت، بعدما أخبرته أن الشعب أتى لوداعه: «لوين رايح الشعب؟»!