ليس المطلوب من وزارة البيئة أن تتحوّل إلى أكبر جمعية بيئية في لبنان، ولا أن تؤسّس جيشاً بيئياً من المتطوعين للإبلاغ عن المخالفات المعروفة والواضحة في غالبيتها. وليس مطلوباً منها منافسة جمعيات في حملات لتنظيف الشاطئ، في وقت لم تنجز بعد استراتيجية لادارة متكاملة للنفايات، وتوجيه البلديات والجهات المعنية الى خارطة طريق فنية وتقنية وادارية وقانونية لتنفيذها. كما لم يكن مطلوباً عقد مزيد من المؤتمرات الشكلية للبحث عن مموّلين وداعمين، في وقت لم تُقدَّم اقتراحات ضريبية في الموازنة لتصحيح الاتجاهات الخاطئة في التصنيع والتجارة والاستهلاك… ولتمويل المشاريع التي تحمي البيئة، من دون حاجة الى مزيد من الديون.

التفاهم مع وزارة الداخلية (اعلن عنه أول من أمس) كان ضرورياً للغاية (راجع «الأمن البيئي مهمة اولى لوزارة الداخلية») للتفاهم على تحديد المخالفات وضبطها. مع العلم أن المخالفين (اذا لم نقل المجرمين) في ملف المقالع والكسارات والمرامل، مثلاً، معروفون، وارتكاباتهم بحق الطبيعة واضحة للعيان. فقد أزال بعضهم جبالاً من مكانها وتسببوا في فوضى كبيرة في ادارة هذا القطاع من دون أن تجري مقاضاتهم وتبيان لا قانونية التراخيص التي يحملونها ومخالفتهم لأبسط قواعدها، ولا تمت مواجهتهم وحماية الطبيعة وأموال الخزينة باقتراح قانون ينظّم هذا القطاع، بدل مراسيم تنظيمية مطعون فيها!
وقد كان المطلوب، إضافة الى ذلك، فتح تحقيق داخل وزارتي البيئة والداخلية حول الهدر التاريخي والإهمال المقصود الناتجين عن ظاهرة «المهل الادارية» التنفيعية طيلة ربع قرن، وعن وضع مخططات توجيهية على قياس استثمارات ومستثمرين محددين، وإهمال قواعد التنظيم الحقيقي باستيفاء الرسوم وحصر الاستثمارات في مشاعات الدولة او أملاك مصرف لبنان ودرس إمكان فتح باب الاستيراد للرمل والاسمنت.
هذه المقترحات التاريخية يبدو أنها اليوم، وللمرة الأولى، باتت مسموعة في وزارة البيئة كما يرشح من التحضيرات التي يقوم بها مساعدون للوزير فادي جريصاتي. وهو استدراك جيد، وإن كان متأخراً أكثر من سنتين أي منذ تولي التيار الوطني الحر وزارة البيئة. ولكن، في انتظار خواتيم مساعي التنظيم الجديدة، يجب التنبيه إلى أن التذرّع بأن مجلس الوزراء لن يوافق، مثلاً، على استيراد الترابة لا يفترض أن يحول دون درس هذا الخيار جيدا، والاجابة عن أسئلة من نوع: هل هذا القطاع استراتيجي فعلا؟ وبالنسبة لمن؟ ولمن تعود أرباحه؟ وكذلك درس المفاضلة بين عمل هذه الشركات في لبنان وبين الاستيراد.
كما ينبغي التنبيه الى أنه سيكون من الصعب التسامح مع خطوة الاهتمام الشكلي بقضية تنظيف الشاطئ، في وقت يُهمل تقييم خطة الطوارئ الاخيرة التي كلفت البيئة الشاطئية وخزينة الدولة الكثير. وتقييم ما يحصل في مطمري برج حمود - الجديدة والكوستابرافا والمعامل المرتبطة بهما لا يكون بزيارة سريعة والتطمين بأن النفايات لا تصل الى المياه في كوستابرافا! وإنما في تقييم شامل لكل هذه الخطة السيئة، بخياراتها وكلفتها والتخطيط لها ودفاتر شروطها ومواصفاتها وتلزيمها ومراقبتها، وكيف تم تخطي المهل ووصلت الى ذروة قدرتها الاستيعابية قبل الاوان... الخ.
هذه المراجعة باتت ضرورية لسببين رئيسيين سنواجههما قريبا جداً: الأول، إعلان انتهاء القدرة الاستيعابية لمطمر الجديدة بعد اقل من شهرين وبقاء نحو 900 طن يومياً من النفايات في الشوارع. والثاني، الإعلان عن الخطط الجديدة (الاستراتيجية او الطارئة) التي ستقترح حتماً توسيع المطامر وردم البحر! فكيف سيتم تبرير هذه الارتكابات الجديدة التي تم التحذير منها قبل إقرار الخطة الطارئة وقبل اقفال مطمر الناعمة؟!
امام هذه الاستحقاقات الداهمة وغيرها الكثير، لا تحتاج وزارة البيئة الى جيش بيئي من المتطوعين والهواة غير المحترفين وحملات فولكلورية على طريقة بعض الجمعيات... بل الى ان تحزم امرها بانجاز استراتيجيات طال انتظارها والتشدد في تطبيق القوانين الموجودة وتعديل ما يحتاج منها الى تعديل ومعرفة الصلاحيات والتمسك بها؟