إيمان الجابر
يتحدث عن مشاريعه المستقبليّة، عن أحدث كتاب قرأه، وفيلم شاهده، ومعرض حضره... غسان جبري يقف على عتبة السابعة والسبعين من دون أن يفقد شغفه وولعه بالثقافة والحياة و... الإخراج. غير أنّه غير راض عمّا آلت إليه المهنة اليوم. يقول: «الثقافة والموهبة والمعرفة والشغف لم تعد من متطلبات هذه المهنة». ويذهب المخرج السوري إلى الدراما اليوم حيث «الاستعجال والاستسهال يسيئان إلى مستقبلها. ثرثرة، واجترار مواضيع، ولا بنية تحتية متينة». صاحب «دموع الملائكة» يتساءل: «أين هي دراما الأحاسيس والأفكار؟».
يرى غسان جبري أنّ الدراما قادرة على أداء دور تحريضي في المجتمعات. لقد فعلتها من قبل. في بداياتها، أدّت الدراما السورية دوراً فكرياً وتنويرياً، وتمثّلت في أعمال هذا الرائد الكبير وأعمال أبناء جيله التي أصبح معظمها من كلاسيكيات الدراما العربية اليوم. يقول: «نحن جيل مدني مثقف، جاء من أصول عائلية عريقة». اختياره مهنة الإخراج كان له وقع غير محبّب في تلك الأيام، إذ كان يُنظر إليها كمهنة وضيعة: «اليوم، صارت العائلات تفتخر إن كان أحد أبنائها مخرجاً. نحن من جعلنا هذه المهنة محترمة، رسمنا ملامح الدراما السورية في بداياتها الأولى».
لا تستطيع مع غسان جبري أن تقود الحوار في اتجاه محدد. هو من يأخذك إلى كل الاتجاهات: يتحدث في السياسة، والفن، والتجارة، والحاضر والماضي... الكتب تسكن في كل ركن من زوايا بيته: «القراءة عملي اليومي». أما اللوحات التي رسمتها رفيقة دربه التشكيلية سماء فيومي، فتحتل جدران المنزل كله. يدلنا على كل تفصيل في البيت: مقتنيات السفر، صور أولاده وأحفاده الذين «نربيهم ويغادروننا، ثم نعلّق صورهم على الجدران»، والجوائز التي نالها، وصور مع ممثلين من سوريا والوطن العربي. هناك صورة من مسلسل «انتقام الزباء» (1975)، حيث غسان جبري يتوسط أسعد فضة والراحلة سلوى سعيد. هذا العمل كرّس الفنانة سعيد وجهاً حقيقياً للملكة زنوبيا، وكان المسلسل أول عمل تاريخي موثّق، أسّس لدراما تاريخية سورية. هناك أيضاً صورة أخرى من مسلسل «وضحى وابن عجلان» (1974)، حيث يوسف شعبان من مصر وسلوى سعيد من سوريا وآخرون من الأردن. هذا المسلسل كان أول عمل تلفزيوني عربي يتناول حياة البدو. يعلّق جبري «كان النجاح الجماهيري منقطع النظير في أرجاء الوطن العربي».

بفضله وبفضل جيله، أدّت الدراما السورية دوراً تنويرياً، وكان صاحب أول مسلسل بيئي شامي معاصر هو «حكايا الليل» (1968)
لطالما وُصف غسان جبري بأنه مخرج البدايات الأولى، كما هي حال عمله «لك يا شام» (1988). يسرّ إلينا: «أنا أوّل من دخل إلى البيت الشامي وقدّمه بواقعيته». كذلك كان صاحب أول مسلسل بيئي شامي معاصر، من تأليف محمد الماغوط هو «حكايا الليل» (1968). هكذا، تتتالى الصور في غرفته من أعمال قاربت خمسين مسلسلاً، وأفلام تلفزيونية درامية ووثائقية تجاوزت الثلاثين، وعدد من المسرحيات. بعد آخر مسلسل له بعنوان «أعيدوا صباحي» (2007)، يكشف لنا جبري «أُعدّ الآن لعمل يتناول للمرة الأولى الحياة في فلسطين قبل الهجرة».
خلال تجوالنا في أرجاء غرفته، استوقفتنا صورة لرجل يعتمر القبعة على الطريقة الفرنسية، وسيدة جميلة تلبس الملاءة الشامية. ابتسم قائلاً: «إنهما أبي وأمي. أنا ابن هذا التناقض». والده ابن تاجر دمشقي كبير، درس في «كلية سان مارك» في الإسكندرية حيث ولد، فتربى غسان في المدارس الفرنسية هو وإخوته: «كان والدي مولعاً بالثقافة الفرنسية، ويتحدث لغتها كأهلها. التقى بأمي، البنت الشامية المستورة، وتزوّجها». ثم يدلّنا على صورة أخرى لثنائي بلباسهما الأنيق والراقي، كأنّهما خرجا من أفلام الطبقة الأرستقراطية في الأربعينيات. يقول: «هذا جدي وجدتي لأبي. كان جدّي من كبار تجّار القطن، وكان يملك منازل عدة في دمشق، وبيروت، وحيفا والإسكندرية». لكن في عام 1917، أعلن هذا الجد إفلاسه بعدما راهن على انتصار ألمانيا في الحرب، فحوّل ليراته الذهبية إلى عملة ألمانية.
هكذا، عادت الأسرة إلى دمشق، وعانت بعد ذلك الفقر، لكنها لم تتخلّ عن طموحاتها في التعليم والانفتاح على الحياة العصرية بكامل تجلياتها في الفن والثقافة والسياسة. أما الجدة، فقد استشهدت في عام 1936 على أيدي الفرنسيّين. يدلّنا غسان جبري على صورة جنازتها في إحدى زوايا غرفته: «هذا الزعيم شكري القوتلي، ووجهاء الشام وأهلها خرجوا في وداعها وشيّعوا جثمانها». ويضيف صاحب «القيد»: «شفيقة جبري اغتيلت لأنها كانت تساعد ثوار الغوطة وهي في الـ56 من عمرها». صور كثيرة، تروي ماضي غسان الموثق، وإرثاً عائلياً عريقاً وعناصر كثيرة تواشجت لتصوغ شخصية صاحب «طبول الحرية» المفعمة بالنشاط والحيوية وتعشق الحياة.
شغل مناصب كثيرة وكُرِّم في العديد من الدول العربية والأجنبية لكنّه ما زال لا يعرف الرضى عن ذاته
ولد غسان جبري في بيت دمشقي في منطقة «الشعلان» في دمشق الجديدة، ولكنه كان دائم التردّد إلى بيت الأسرة القديم مع والده في محاولة لاستعادة الماضي. بيتٌ من أعرق البيوت الدمشقية وأجملها في حي «الشاغور»، أصبح اليوم مطعماً مشهوراً وما زال يحمل اسم العائلة «بيت جبري». يخبرنا: «باع جدي البيت لابن عمه إبان الحرب العالمية الأولى. لكنّ الأسرة بقيت تسكنه حتى عام 1928، لتبدأ رحلة السكن في البيوت المؤجّرة. عشنا حياة البؤس، كنا نضطر إلى أكل ما يسمّى خبز الوثيقة، وهو خبز أسود تبيعه البلدية بسعر منخفض للموظفين مع السكر الأحمر والشاي». الظروف المالية والسياسية التي عصفت بسوريا ما بين الحربين، جعلت غسان وإخوته ـــــ سبع بنات وثلاثة صبيان ـــــ يختارون العلم طريقا وحيداً للخروج من كل الأزمات.
في مطلع الخمسينيات، حصل صاحب «السيرة العربية» على الثانوية العامة وانتسب إلى الجامعة لدراسة الحقوق، وعُيّن موظفاً في البريد. ومع انطلاق البث التلفزيوني عام 1960، أدرك هدفه في الحياة: «تعطّل عقلي. أنا خلقت للعمل في هذا المجال، في هذا السحر الذي يسمّى التلفزيون».
هكذا، تقدم إلى مسابقة للإخراج في التلفزيون السوري حيث قُبل عام 1961، وأُرسل إلى ألمانيا في دورة تدريبية استمرت ستة أشهر. لكنه قبل العمل في التلفزيون، كان عضواً مؤسّساً في «ندوة الفكر والفن» (1958)، بإدارة رفيق الصبان وعضوية مجموعة من المثقفين الكبار على رأسهم صلحي الوادي، ويوسف حنا، وزكريا تامر، وجورج طرابيشي.
عمل مخرجاً مساعداً مع رفيق الصبان في مسرحية «ليلة الملوك»، و«أنتيغون»، و«يوليوس قيصر». وبعد انتقاله إلى التلفزيون، لم تنقطع صلته بالمسرح.
شغل غسان جبري مناصب كثيرة في التلفزيون السوري، من رئيس دائرة التمثيليات إلى رئيس دائرة المخرجين. وكُرِّم في العديد من الدول العربية والأجنبية. وعلى رغم ما قدّمه إلى الدراما السورية، ما زال حتى اليوم لا يعرف الرضى عن ذاته، فـ«الرضى معناه الإفلاس».


5 تواريخ

1933
الولادة في دمشق

1962
«موقف حرج» أول برنامج درامي من تأليف عادل أبو شنب

1972
الحصول على الجائزة الأولى من «مهرجان بغداد للتلفزيون» عن فيلمه «الغرباء لا يشربون القهوة»

1975
«انتقام الزبّاء» أهم مسلسل في تاريخه الفني

2010
الإعداد لمسلسل «جليلة اليافوية» من تأليف يوسف غزال