الأزمة الكونغولية تتعمّق: بوادر حرب إقليمية جديدة

جاء الهجوم الناجح على مدينة جوما، بعد أيام قليلة من قمة رواندية - تركية عُقدت في أنقرة (أ ف ب)
جاء الهجوم الناجح على مدينة جوما، بعد أيام قليلة من قمة رواندية - تركية عُقدت في أنقرة (أ ف ب)

بعد مرور نحو قرن ونصف قرن على مؤتمر برلين (1884-1885) الذي قسّمت فيه القوى الأوروبية مستعمراتها الأفريقية واتّفقت خلاله على تشكيل "دولة الكونغو الحرّة" (تتبع الملك البلجيكي، ليوبولد الثاني)، تنفتح الأزمة الجارية في شرق الكونغو، على خيارات مأسسة نهب موارد الدولة الأفريقية الأكبر من حيث المساحة، والتي يبلغ تعداد سكانها أكثر من 100 مليون نسمة. وممّا يؤشر إلى انفلاش التصعيد، تعهُّد قوات المتمردين في حركة "23 مارس" (M23)، أولَ أمس، بمواصلة القتال وصولاً إلى العاصمة كينشاسا، وإسقاط نظام الرئيس فليكس تشيسيكيدي. وجاءت تهديدات الحركة بعد ساعات قليلة من خطاب تلفزيوني للأخير (29 كانون الثاني)، أكّد فيه استعداد القوات المسلحة الكونغولية للردّ على تقدُّم قوات المتمردين الذين استولوا للتوّ على مدينة جوما الاستراتيجية على الحدود مع رواندا (27 الجاري)، بدعم بات مكشوفاً من قِبَل الأخيرة.

الطريق إلى كينشاسا: نحو حرب إقليمية جديدة؟
مثّلت دعوة حكومات الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة - قبيل سقوط مدينة جوما بساعات قليلة - مواطني دولها إلى مغادرة شرق الكونغو، ولا سيما مدينة جوما "تحسُّباً للصدامات العنيفة بين الجيش الكونغولي وقوات المتمردين"، مؤشّراً واضحاً إلى فشل جميع جهود الوساطة الأفريقية لحلّ الأزمة. وترافق ذلك، مع رفع الدول الغربية يدها عن التدخّل في مجريات الأحداث، وتعميق تعاملها مع الكونغو باعتبارها "رجل أفريقيا المريض"، ما يسمح بالافتئات على سيادتها ووحدة أراضيها كأمر واقع، بل ويُعدّ دافعاً لتحقيق تلك الدول مصالحها من دون أعباء تُذكر، في ظلّ حالة الفوضى المزمنة في الإقليم. وجاء قرار العواصم الغربية، في ظلّ توقعات منظّمات غربية مهمّة بتشرُّد أكثر من 400 ألف مواطن كونغولي في الأسابيع المقبلة، جرّاء الصدامات في شرق الكونغو، وما وصفته صحيفة "لوموند" الفرنسية (24 كاون الثاني) بتحوّل الصراع إلى "حرب إقليمية" كاملة الأركان. وعلى رغم التصعيد الكبير، تظلّ مواقف الدول الغربية عند حدود "الترقُّب" وعدم الاكتراث؛ إذ اكتفت فرنسا، على سبيل المثال، بِحثّ رواندا على "سحب قواتها فوراً" من الأراضي الكونغولية (30 يناير)، وتأكيدها أن "سياسة الكونغو وسلامة أراضيها ليستا محلّ تفاوض". غير أن الموقف الفرنسي، المعلن منذ بدء عمليات "M23" في شرق الكونغو قبل سنوات، لم يُستتبع بتحرّك دبلوماسي جادّ لمنع تفاقم الأزمة، وهو ما اعتبره مواطنون كونغوليون تآمراً فرنسياً (وغربياً) على بلادهم، اتّضح في مهاجمة سفارة باريس في كينشاسا عقب سقوط مدينة جوما مباشرة، وقبل حظر الحكومة الكونغولية أيّ تظاهرات في المدينة تفادياً لتكرار هذا الحادث.

نجحت كيجالي في تحقيق اختراقات على الأرض في شرق الكونغو، من دون مواجهة أيّ ردود دولية مؤثّرة

وبينما نجحت كيجالي في تحقيق اختراقات على الأرض في شرق الكونغو، من دون مواجهة أيّ ردود دولية مؤثّرة، على الرغم من إدانة تقارير أممية متعاقبة دور رواندا في الأزمة وانتهاكها سيادة جارتها الكبرى، فإن دعم دول مِن مِثل بوروندي وجنوب أفريقيا لحكومة كينشاسا في مواجهة رواندا، بات يواجه تحدّيات حقيقية بعد وقوع جنود من البلدين قتلى في هجوم حركة "M23" الأخير، وإعلان كيجالي أن جنوب أفريقيا لن تتولّى أيّ دور وسيط في أيّ محادثات مرتقبة لتسوية الأزمة (سواء بينها وبين كينشاسا، أو بين الأخيرة وحركة التمرّد التي أعلنت انفتاحها على الدخول في مثل تلك المحادثات). وفي حال نجاح قوات "M23" في الاقتراب من العاصمة كينشاسا مع مطلع الشهر الجاري، فإن صداماً مباشراً سيقع بين القوات المدعومة رواندياً وقوات الجيش الكونغولي المدعوم من جنوب أفريقيا وبوروندي، التي سحبت بدورها قواتها المساهمة في قوات "الاتحاد الأفريقي" في الصومال بدايةً من العام الجاري، في دلالة على احتمالات تصعيد الصراع في الكونغو إلى حرب إقليمية مزمنة.

رواندا وتجاوز "الدبلوماسية": تركيا في المشهد؟
جاء الهجوم الناجح لقوات "M23" على مدينة جوما، بعد أيام قليلة من قمة رواندية - تركية عُقدت في أنقرة (23 يناير) بين الرئيسين بول كاجامي، ورجب طيب إردوغان. وجاء عرض الوساطة التركي دالاً على فشل المقاربة الأفريقية في مواجهة الأزمة، ومؤشراً إلى اضطلاع فاعلين آخرين بجهود محاصرتها، ومتضمّناً إعادة توزيع المكاسب التي ستترتب على أيّ تسوية سلمية، مثل الموارد المعدنية المهمّة في شرق الكونغو، ومأسسة الاستحواذ الجائر عليها. وإجمالاً، فإن العرض التركي (الذي أعلنته أنقرة على لسان إردوغان في 23 يناير) يستهدف حل المشكلة "على نحو يسهم في استقرار وسلام إقليم البحيرات الكبرى"، كما يكشف عن قناعة كاجامي بتنحية جميع المبادرات الأفريقية الحالية أو المحتملة (مع انعقاد قمة الاتحاد الأفريقي بعد أيام قليلة)، الرامية إلى التدخل في الأزمة، لمصلحة الوساطة التركية.

وعزّزت دعوة قادة كتلة "جماعة شرق أفريقيا" الإقليمية، كينشاسا (30 يناير) إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع متمردي "M23" "كجزء من جهود تهدئة التصعيد في شرق الكونغو"، الإشارة إلى فشل الجهود الإقليمية، في ضوء موقف كينشاسا الثابت لجهة عدم التفاوض مع قوات التمرّد، وما تمثّله تلك الدعوة من قبول أفريقي بالوضع القائم وتداعياته الخطيرة.

ويبدو أن حظوظ الوساطة التركية ستكون مرتفعة لعدة اعتبارات، منها قدرة أنقرة على تقديم معادلة مقبولة دولياً (وحتى شرق أوسطياً) من قبل الأطراف المعنية باستدامة نهب الموارد المعدنية المهمّة في الكونغو، في ظلّ الفوضى التي تضرب شرق الكونغو، والتي يمكن أن تتصاعد إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، ووضع خريطة محاصصة يتم فرضها على كينشاسا وتكون مقبولة من قِبَل كيجالي. ويضاف إلى ذلك احتمال أن تكون تلك الجهود التركية في سياق "تقسيم العمل الأميركي" المرتقب في أفريقيا، في ظلّ إدارة دونالد ترامب الثانية، فضلاً عن ما يمكن تلمّسه - في مستوى تحليلي آخر - من أهمية التدخل التركي (بالنسبة إلى رواندا وأطراف غربية مؤثّرة) لموازنة الوجود العسكري الجنوب أفريقي في الكونغو، والذي جاء بناءً على ترتيبات إقليمية، ودفع الرئيس سيريل رامافوسا إلى التأكيد (29 يناير) أن هذا الوجود ليس "موجّهاً ضد أحد (رواندا)، كما أنه لا يمثّل إعلان حرب ضدّ هذه الدول".

على العموم، يُتوقّع أن تشهد الأزمة في شرق الكونغو تحوّلات عميقة في الفترة المقبلة، قد تصل إلى تمدُّد حرب إقليمية تجرّ معها الأطراف الداعمة لكلّ من جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا في هذه الحرب، مثل جنوب أفريقيا وبوروندي خلف الأولى، وإسرائيل (التي أعلن وزير خارجيتها، أمس، دعم مجمل سياسات رواندا في محادثات هاتفية أجراها مع نظيره الرواندي) وتركيا خلف الثانية. وتسري هذه التوقعات في ظل تمكُّن رواندا من حشد مواقف أطراف إقليمية أفريقية وشرق أوسطية تعزّز تدخُّلها في شؤون جمهورية الكونغو تحت غطاء "الهجوم الاستباقي"، وهو ما يؤدي في النهاية إلى استدامة نهب موارد الكونغو المعدنية لصالح تلك الدول.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي